إذا كان حجم سرقة القرن 2.5 مليار دولار، فمن الأولى أن يطلق على سرقة مصفاة نفط بيجي سرقة التاريخ، لأن قيمة المصفاة لا تقل عن 4 مليارات دولار.
لكن (الشيطان يكمن في التفاصيل) كما يقال، لذلك يتجنب رئيس الوزراء الحالي "محمد شياع السوداني" عادة الخوض بالتفاصيل، لكي لا يخرج الشيطان من قمقمه كما تنبأ سلفه "ابراهيم الجعفري"، فيشرح لوسائل الإعلام كيف سُرق 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية ومن سرقها، وهل أعاد السوداني حقاً بعضها ولماذا أطلق سراح أبطالها، وكيف سُرقت أكبر مصفاة نفطية في العراق "مصفاة بيجي"، ومن هو "فاعل الخير" الذي أعادها، أو "الرجل الغيور" على حد تعبير السوداني، وما قصة وصية تاجر كردي كتبها لعائلته باللغة العربية (وليس باللغة الكردية كما يقول المنطق)، يوصيهم بها بإعادة المصفاة إلى الدولة مجاناً، بعد أن اشتراها بمبلغ 100 مليون دولار، وكيف لتاجر أن يدفع مثل هذا المبلغ لشراء بضاعة لا يعرف ماذا سيفعل بها وبكم ولمن سيبيعها، ثم أين أمكنه الاحتفاظ بحمولة 60 شاحنة من المعدات الثقيلة لثماني سنوات بعيداً عن أعين سلطات الإقليم، التي جرت العملية دون علمها بحسب مسؤولين أكراد، ولماذا اشتراها من ميليشيا واحتفظ بها كل هذه المدة، ليكتشف فجأة إنها مسروقة، وإن بيعها (فضلاً عن شرائها) حرام، فيتحول من مقاول سوق سوداء، إلى الرجل الغيور الذي أعاد ذووه بعد وفاته أكبر مصفاة نفطية في العراق إلى الدولة، متنازلين عن 100 مليون دولار، بناء على وصية كتبها التاجر الراحل باللغة العربية؟!
من سرق المصفاة ؟
وانطلاقاً من ثقة السوداني، بأن إقناع المواطن العراقي بإعادة أموال سرقة القرن تم بسهولة، بمجرد ظهوره على شاشة التلفزيون محاطاً برزم الدنانير، عاد بنفس الطريقة للظهور مرة أخرى، ليعلن -دون أن يقترب من التفاصيل-، عن استعادة "جزء" من معدات مصفاة بيجي، التي تشير التفاصيل إلى أن ميليشيات الحشد الشعبي نهبتها عندما سيطرت عليها، بعد انتهاء المعارك مع تنظيم الدولة "داعش"، في تشرين الأول/أكتوبر 2015.
ولم تجر الحكومات السابقة منذ ذلك التاريخ أي تحقيق حول الموضوع، ولم تقاضى الميليشياتُ التي سرقتها، رغم الشهود ورغم كل الأدلة، التي تثبت تورطها بالقضية.
وحصلت مصادر صحفية على شهادات من مسؤولين في وزارة النفط وآخرين في محافظة صلاح الدين، قالوا فيها إن إصلاح المصفاة كان ممكناً بموجب نتائج الكشف الأولي الذي أجرته لجنة تابعة للوزارة، لكن فصيلين من الميليشيات هما كتائب الإمام علي وميليشيا العصائب، قاما بإغلاق المصفاة أمام اللجان الحكومية في كانون الأول/ ديسمبر2015، ثم بدأت بعدها عملية تفكيك المصفاة وتهريبها إلى إيران على دفعات طوال عام كامل. وعرضت وسائل إعلام محلية آنذاك، صوراً قالت إنها التقطت لأجزاء من المصفاة، بعد دخولها الأراضي الإيرانية.
ونشبت في فترات متفرقة نزاعات بين العصائب وتيارالحكمة، قبل أن ينضويا في الإطار التنسيقي، تخللتها اتهامات بسرقة المصفاة. وعرضت قناة تلفزيونية يمتلكها "عمار الحكيم"، مقاطع تصور قيام مليشيا العصائب بسرقة أجزاء من المصفاة، وقال "علي الرفيعي" عضو التيار الذي يتزعمه عمار الحكيم، إن "مصفاة بيجي فُكّكت وسرقت في ليلة سوداء"، في إشارة إلى عصائب قيس الخزعلي، لترد عليه العصائب باتهام "جبار اللعيبي" وزير النفط السابق والمحسوب على تيار الحكمة، بالتورط بسرقتها.
روايات متناقضة
وتعددت روايات سرقة المصفاة ، فبالإضافة للرواية التي تقول إنها أرسلت مباشرة إلى إيران، أكدت مصادر اخرى إن ميليشيا تابعة للحشد، نقلت المعدات عام 2017 إلى السليمانية وأربيل وكركوك ونينوى، تمهيداً لتهريبها إلى الخارج.
وتقول الرواية التي تبناها السوداني، والتي تحدثت عن (صحوة ضمير) تاجر اشترى المعدات وأعادها للدولة، إن هذه المعدات عادت تنفيذاً لوصية تاجر كردي تركها لعائلته قبل وفاته، يوصيهم فيها بضرورة إعادة المسروقات إلى الدولة، حيث إن حياته تعثرت منذ شرائها، وإن التاجر اشترى ال 60 شاحنة التي تحمل المصفاة بشكل مباشر من فصيل مسلح، وأدخلها إلى كردستان دون علم السلطات، بحسب القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني "وفاء محمد".
ولم يجد مراقبون أن دخول هذا الكم من المعدات دون علم السلطات الكردية ممكن، لكنهم وجدوا جانباً من حديث القيادي الكردي قابلاً للتصديق، هو قوله "إن السبب الرئيس لسرقة أكبر مصفاة في البلاد، هو عرقلة إجراءات تشغيل المصفاة لأطول فترة ممكنة، لضمان استمرار استيراد الغاز والمشتقات النفطية من إيران".
وتتناقض رواية التاجر الكردي مع ما ذكر عن تهريبها مباشرة إلى إيران، لكن مصادر أكدت إن الحديث عن استعادة المصفاة لا يعدو بكل الأحوال قص شريط الافتتاح من قبل السوداني لخداع الشارع العراقي، كما فعل في قضية سرقة الأمانات الضريبية، وإن شيئاً من معدات المصفاة لم يعد إلى الدولة، فعندما تخرج معدات بقيمة 4 مليارات دولار لن تعود إلى مكانها، سواء اتجهت شرقاً بعد سرقتها، أم شمالاً.
عملياً..المصفاة خرجت من الخدمة
وسواء أكانت هذه أم تلك هي الرواية الصحيحة، فإن سرقة مصفاة بيجي قضية جنائية بحسب مفتش عام وزارة النفط "حمدان عويجل راشد"، كما إن عدم إجراء تحقيق لمعرفة الجاني يعتبر تستراً عليه، وجزءاً من الجريمة.
وبحسب فنيين في المجال النفطي، فإن إعادة تشغيل أكبر منشأة نفطية عراقية عملت بطاقة 310 آلاف برميل يومياً، أصبح الآن وبعد 8 سنوات على توقفها عن العمل ضرباً من المستحيل، حيث فككت وهربت معداتها المتنوعة، من أبراج ومراجل ومبادلات حرارية وأوعية ضغط عال وفلاتر حديدية ومكابس، استغرق تفكيكها وتهريبها عاماً كاملاً، وهي الآن بغض النظر عن مكان وجودها، أصبحت مستهلكة ومتآكلة من الداخل وغير صالحة للاستعمال تماماً، بسبب توقف المصفاة عن العمل، حيث من المفترض أن تجرى عمليات غسل وتنظيف منظومة المصفاة بالكامل فوراً بعد توقفها، لإزالة حامض الهيدروكلوريك من المنظومة، لكن ذلك لم يحدث، فتآكلت أجزاؤها الداخلية بسبب تفاعل الحامض الموجود في النفط الخام مع مكونات هذه الأجزاء من المعادن، فعن أي مصفاة يتحدث السوداني؟