تعود بدايات التعليم في العراق إلى ما يقرب من ثلثمائة عام إذ أُنشئت أولى المدارس أبان الحقبة العثمانية على شكل مدارس دينية خاصة قبل أن يشرع والي بغداد مدحت باشا عام 1869 ببناء عدد منها. وتطور المستوى التعليمي في العراق في العهود اللاحقة الملكية والجمهورية حتى احتل أواسط عقد السبعينات من القرن الماضي المرتبة الأولى عربياً وأحد أفضل الأنظمة التعليمية عالمياً وفق تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو" بعد أن قضى أو كاد يقضي على الأمية.
أليوم وبعد ما يقرب من خمسين عاماً على شهادة اليونسكو يخرج العراق من مؤشر جودة التعليم الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" على رأس ست دول عربية من بين مائة وأربعين دولة شملها تقرير المنظمة. وعزا التقرير السبب إلى الإفتقار "لمعايير المنافسة التعليمية الدولية التي يعتمدها المؤشر في التصنيف الدولي". وتتفاوت الأرقام الرسمية التي تتحدث عن نسب الأمية فقد اعترفت مفوضية حقوق الإنسان العراقية بأن الأمية متفشية بين ثمانية ملايين مواطن عراقي هم في الغالب من شريحة الشباب الذين ترعرعوا في ظل الحكومات المتعاقبة بعد الإحتلال في حين قدرت عضوة المفوضية فاتن الحلفي في تصريح لها نسبة المواطنين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة ب 18% من السكان لكن تقارير صحفية نقلت أرقاماً استقتها من منظمة اليونسكو أجملت نسبة الأمية للأعمار التي تتراوح بين 6 و 55 سنة ب 47% .
الأمية متفشية بين النساء أكثر من الرجال كما أن تسرب التلاميذ من المدرسة والإتجاه إلى سوق العمل بدل المدارس " بداعي العمل وتوفير لقمة العيش في ظل البطالة والأزمة الاقتصادية في البلاد "
العزوف عن التعليم ليس اختياراً
وبحسب عضوة المفوضية المذكورة فإن الأمية متفشية بين النساء أكثر من الرجال كما أن تسرب التلاميذ من المدرسة والإتجاه إلى سوق العمل بدل المدارس " بداعي العمل وتوفير لقمة العيش في ظل البطالة والأزمة الاقتصادية في البلاد " ضاعف من أعداد غير المتعلمين. وإن أشر ذلك لشيء فإنما يؤشر لظاهرتين خطيرتين من بين ظواهر عديدة أخرى، الأولى تنامي العنف الأسري في مجتمع تراجعت فيه مظاهر المدنية والتطور بشكل كبير والإستغلال المفرط لشريحة النساء وإبقائها خارج عملية التعليم، والثانية انهيار الواقع الإقتصادي للأسرة العراقية الذي انتهى بتسرب الأطفال من صفوف الدراسة إلى سوق العمل ووصل الأمر لزج الأطفال والنساء أيضاً بأعمال لا تتناسب مع طبيعتهم الجسدية كأعمال البناء.
وأضافت مصادر صحفية أجرت تحقيقاً حول الموضوع سبباً آخر لانهيار التعليم وتفشي الأمية هو الإهمال الرسمي لهذا الجانب حيث أجملت عدد المدارس في الدراسة الأولية بستة عشر ألف مدرسة فقط مقابل عشرة ملايين طالب لكن إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط تشير لوجود ثلاثة وعشرين ألف مدرسة على مستوى البلاد تشغل كثيراً منها أكثر من مدرسة بدوام ثنائي وثلاثي مزدوج مما يضعف العملية التعليمية بشكل كبير.
في المحافظات تتضاعف معوقات العملية التعليمية حيث أن عدد المدارس الطينية تجاوز الألفي مدرسة بحسب مصدر في وزارة التربية أغلبها في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والقادسية والنجف، التي يصل إجمالي عدد تلاميذها إلى خمسة عشر ألف تلميذ.
وربط خبير اقتصادي بين انهيار التعليم وانهيار سوق العمل إذ أن نمو سوق العمل يعتمد على الكوادر المؤهلة من الخريجين، مضيفاً سبباً آخر لتردي التعليم هو قلة التخصيصات المالية البالغة 1.4% فقط من إجمالي الموازنة العامة وهذه التخصيصات لاتكفي لبناء أربعة عشر ألف مدرسة يحتاج إليها البلد.
مصادر صحفية نقلت عن أكاديمين قولهم إن هناك أسباباً أخرى لانهيار التعليم في العراق غير الأبنية المدرسية وغير ما أضافه انتشار الفايروس إلى قائمة المشاكل تتمثل بالتغيير المستمر للمناهج الدراسية بعد الإحتلال إضافة إلى عدوى المحاصصة التي انتقلت إلى مفاصل وزارة التربية ناهيك عن الفساد والسرقات. ويرى مختصون إن من المستحيل النهوض بالواقع التعليمي في العراق بدون تفعيل قانون التعليم الإلزامي الذي كان سائداً قبل الإحتلال ليلبي متطلبات المجتمع.
مع الجائحة .. خياران أحلاهما مر
تخبط دوائر القرار بين تعليق الدوام بسبب جائحة كورونا وعودته وضعها في موقف لا تحسد عليه. قرار "خلية الأزمة" بتعليق الدوام واعتماد التعليم الألكتروني بدعوى منع وقوع إصابات بين الطلاب كان بمثابة حبل النجاة للحكومة ونظامها التعليمي المتردي فالتعليم عن بعد لا يحتاج لأبنية لكنه يحتاج لمستلزمات واستحضارات عجزت الحكومة عن توفيرها مثلما عجزت عن توفير الأبنية المدرسية علاوة على أن انتشار الجائحة لا يعفيها من حل مشكلة الأبنية استعداداً لمرحلة ما بعد الجائحة طالت المدة أم قصرت. وشكا طلبة قلقون على مستقبلهم الدراسي من صعوبات لا يمكن التغلب عليها لمواكبة التعليم الألكتروني منها أن كثيراً منهم لا يمتلكون حواسيب ألكترونية فرب الأسرة الذي لديه ثلاثة أو أربعة طلاب في المتوسط لا يستطيع توفير حاسوب لكل منهم وبعضهم لا يجيد التعامل مع هذه الأجهزة خاصة في القرى والمناطق النائية فضلاً عن سوء خدمة الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. أما قرار وزارة التربية بالعودة إلى مقاعد الدراسة فسيفضح عجزها عن إدارة الأزمة من حيث توفير المستلزمات الوقائية لمواجهة الجائحة وتحصين ملايين الطلبة ضد الإصابة والذين يرتاد كثير منهم مدارس مزدوجة الدوام مما يجعلها خطوة محفوفة بمخاطرلا يمكن التنبؤ بنتائجها
الحلول يمكن العثور عليها عندما تكون هناك إرادة حقيقية على مستوى التخطيط والتنفيذ، مع الجائحة أو بدونها، بالدوام المنتظم أو بالتعليم عن بعد
الحكومة تحمل الطالب المسؤولية
فيما يتعلق بمعوقات التعليم الألكتروني ألقى المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي “عدنان العربي” باللائمة على الطالب وقال في حديث لأحد المواقع الألكترونية إن الطالب الجامعي هو "المتضرر الوحيد من عدم استكمال المقرر الدراسي، وعليه تقع مسؤولية مواكبة المحاضرات" وفي معرض تبريره لتعليق الدوام زعم أن "ضعف خدمة الانترنت ليس عائقاً أمام الطلبة للاستفادة من المحاضرات" مضيفاً أن”الوزارة تصرفت وفق ما هو معمول به في الدول الأخرى التي تواجه ذات الأزمة" متجاهلاً أن تلك الدول وفرت بالفعل كل مستلزمات الدراسة عن بعد بما فيها أجهزة التابلت حتى لتلاميذ المدارس الإبتدائية. من جهته أقر مجلس النواب بعجزه عن الوصول إلى حلول حقيقية لتجاوز تأثير حظر التجول على الأداء الدراسي وقالت لجنة التعليم العالي والبحث العلمي في المجلس إن "الحلول تتوقف على إمكانية القضاء على الوباء بشكل نهائي". رئيس اللجنة حسن المسعودي قال في تصريح صحفي "مع أننا لا نجد حلولاً أخرى لسير الدراسة إلا عبر المنصات الالكترونية، لكننا في ذات الوقت نعتقد بأنها لا تفي بالغرض بشكل كامل".
الحلول يمكن العثور عليها عندما تكون هناك إرادة حقيقية على مستوى التخطيط والتنفيذ، مع الجائحة أو بدونها، بالدوام المنتظم أو بالتعليم عن بعد. ومثلما كانت هناك سلسلة من المشاكل والمعوقات فإن هناك بالمقابل سلسلة من الحلول يمكن اختيار المناسب منها لو توفرت تلك الإرادة.