منظمات إنسانية تحذر: شح المياه والتغيّر المناخي يقود العراق إلى التصحر

تشهد "أرض السواد" اليوم تراجعاً في المساحة الخضراء لم تشهد مثله طيلة قرون خلت، وبدأت ظاهرة التصحر تنتشر في العراق، الذي أطلقت عليه في السابق تسمية "أرض السواد"، لكثافة المزارع والبساتين فيه، وكان الناظر إليه لا يرى غير مساحة واسعة من الخضار. وبسبب الإهمال والفساد وسوء التخطيط، وعدم الأخذ بنظر الإعتبار التغيرات المناخية ووضع خطط ناجعة لمواجهتها، تقلصت هذه المساحة واضطر الكثير من الفلاحين والمزارعين ومربي المواشي والرعاة للهجرة من بساتينهم ومزارعهم، والبحث عن مصدر رزق بديل، فيما استثمر المفسدون و المتنفذون هذه الفرصة لشرائها وتجريفها، وتحويلها إلى قطع أراض سكنية، دون أن يكون للقانون ومن يتصدى لتنفيذه دور في إيقاف هذه الجريمة بحق الأرض والإنسان على حد سواء. ويقول مدير قسم التخطيط في دائرة الغابات ومكافحة التصحر المهندس الزراعي سرمد كامل لوكالة فرانس برس، التي أجرت تحقيقاً صحفياً حول الموضوع، إن "69% من أراضي العراق الزراعية طالها التصحر".
وساهم في تفاقم هذه الظاهرة تناقص الموارد المائية نتيجة السدود المقامة على الأنهر القادمة من إيران ، مقابل ضعف المفاوض العراقي وتهاونه في هذه القضية الخطيرة، رغم ما يمتلكه من حقوق تدعمها الاتفاقات المتعلقة بالمياه، سواء الثنائية منها أو الدولية.
تحولت آلاف الهكتارات في الأعوام الماضية إلى أرض بور، أما عن أنظمة الري فتشير أرقام الأمم المتحدّة، إلى أن 3,5% فقط من الأراضي الزراعية في العراق مزوّدة بأنظمة ري.
أزمة المياه
وأدى انخفاض معدلات تدفق المياه من إيران لارتفاع نسبة التلوث في القليل المتبقي منها ، وشهدت محافظة البصرة دخول أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفيات عام 2018، لإصابتهم بحالات تسمم بسبب المياه الملوثة. كما أدى نقص وتلوث المياه ، ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات، وخاصة الجاموس الذي يعيش في الأهوار، التي كانت ملاذاً لهذه الحيوانات من حرارة الجو في المحافظات الجنوبية.
ونتيجة للإهمال تتكدس نفايات المدن في الأنهار التي تمر بها ، فتجرف كل ما يصادفها من هذه النفايات ، كما ارتفعت نسبة الملوحة في الأراضي الزراعية بسبب تلوث مياه شطّ العرب، مما أدى لموت المحاصيل. وشكا فلاحون بصريون من أن ما يزرعونه من النخيل وغيره من الأشجار، وحتى البرسيم الذي يحتمل نسبة من الملوحة كلها ماتت، وتحولت آلاف الهكتارات في الأعوام الماضية إلى أرض بور، أما عن أنظمة الري فتشير أرقام الأمم المتحدّة، إلى أن 3,5% فقط من الأراضي الزراعية في العراق مزوّدة بأنظمة ري.

وبفعل هذه العوامل اصيب القطاع الزراعي بضربة قاصمة ، رغم أنه لا يشكل أكثر من 5% من الناتج المحلي، ولا يستوعب غير 20% من مجموع اليد العاملة في البلاد.
ويسود الإعتقاد لدى كثير من المواطنين أن هذه "الضربة القاصمة" لم تأت مصادفة، حيث تقف وراءها أجندات أجنبية تدعمها، لأسباب تتعلق بإبقاء العراق سوقاً لمنتجات دول أخرى يهمها أن يبقى العراق مستوردا لمنتجاتها، وغير قادر على إنتاج ما يحتاجه من هذه المنتجات.

تحذير منظمات دولية
وأطلقت 13 منظمة إغاثة إنسانية تعمل في العراق وسوريا تحذيراً من أن 12 مليون شخص في هذين البلدين قد لا يحصلون على احتياجاتهم من الماء والطعام والكهرباء بسبب أزمة المياه. وأصدرت هذه المنظمات تقريراً قالت فيه، إن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض نسبة هطول الأمطار عن معدلاتها القياسية مع خلو خزانات السدود من الماء، ستحرم هؤلاء من مياه الشرب والسقي ، و ستؤثر على إمدادات الطاقة الكهربائية ، بما ينعكس سلباً على البنى التحتية ومن ضمنها القطاع الصحي
ودعت هذه المنظمات التي تضم من بينها المجلس النرويجي للاجئين ومنظمة Care ومنظمة Action Against Hunger إلى جانب منظمات أخرى، لإجراءات عاجلة من أجل وضع حلول لتفادي هذه الكارثة ، مؤكدة "إن 7 ملايين عراقي على الأقل مهددون بالجفاف وبحرمانهم من الحصول على المياه "
من جانبها حذرت منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة "اليونيسيف" من أن صحة الأطفال العراقيين معرضة للخطر، بسبب عدم حصولهم على المياه الصالحة للشرب. وأكدت المنظمة الدولية في بيان صدر عنها أواخر آب/أغسطس، أن "ثلاثة من كل خمسة أطفال في العراق لا يحصلون على المياه الصالحة للشرب؛ مما يهدد تغذيتهم ويعرض صحتهم للخطر،" وأن "أقل من نصف عدد المدارس في البلاد فقط تمتلك خدمات المياه الأساسية". وقالت ممثلة المنظمة في العراق "شيما سين غوبتا" إن شح المياه في العراق "ينذر بالخطر؛ لأن الأطفال لا يستطيعون النمو ليبلغوا كامل طاقاتهم بدون مياه".
ماذا عن المستقبل ؟
وفي ظل العجز الحكومي عن اتخاذ تدابير آنية عاجلة، لا يبدو أن بارقة أمل قد تلوح في الأفق للوصول إلى حلول استراتيجية لمواجهة هذه الكارثة مستقبلاً، فالتداعيات الناجمة عن التغير المناخي لن تتوقف ، وحيال ذلك لا يمكن لموقف المتفرجين أن يأتي بحلول مستقبلية عندما يعجزون عن إيجاد حلول آنية. وفضلاً عن تحذيرات علماء الأرصاد الجوية من تداعيات أزمة المناخ وظاهرة التصحر مستقبلاً، فإن معدلات التزايد السكاني في العراق في ازدياد مطرد، مما يزيد من الحاجة لإجراءات تحد من تأثير هذه الظواهر، بما يمكن من توفير كميات إضافية من المياه للشرب و للري. وتشير التوقعات إلى أن عدد السكان البالغ 38 مليوناً سيرتفع إلى 80 مليوناً بحلول العام 2050، ناهيك عن "ارتفاع درجات الحرارة درجتين، وانخفاض المتساقطات بنسبة 9% " بحسب المصادر، التي أكدت أن سكان محافظة نينوى التي سينخفض انتاج محصول الحنطة فيها بنسبة 70% بسبب الجفاف ستكون في مقدمة المتضررين ، وأن العائلة في الأنبار ستضطر لإنفاق 80 دولاراً في الشهر، للحصول على حاجتها من الماء.
menu-circlecross-circle