لم يتوقع رئيس السن في البرلمان العراقي "محمد علي زيني" وهو يلقي كلمته في البرلمان أيلول 2018، أن يكون هناك من بين النواب من يعترض على وصفه بغداد بمدينة الرشيد والمأمون، إذ أن هذا الوصف يذكر بفترة ذهبية من تاريخ البلاد وتاريخ العالم أيضاً، لما مثلته بغداد في ذلك العصر من مركز علمي وحضاري، يحج اليه طلبة العلوم من مختلف أرجاء العالم. لكن يبدو أن رئيس كتلة الفضيلة في البرلمان "عمار طعمة" لم يعجبه هذا الوصف، فاعترض عليه بلغة وصفها زيني بالطائفية. أما الأحداث التي يشهدها العراقيون هذه الأيام فتدلل على أن ما قاله طعمة لا يمثل لغة عُرف بها هذا النوع من السياسيين فحسب، بل هو نهج يديرون به مؤسسات الدولة التي إئتمنوا عليها، وخطط ينفذونها بدوافع طائفية، وأخرى سياسية مرتبطة بجهات أجنبية، للقضاء على آثار العصر الذهبي للعراق، لكي لا يبقى للأجيال القادمة ما يذكرهم به.
فقبل أيام قامت مفتشية آثار صلاح الدين التابعة للهيئة العامة للآثار والتراث، بهدم أحد الآثار العباسية بشكل كامل، بدعوى إعادة إعماره. وقال المهندس المعماري والمتخصص في التراث "إحسان فتحي"، إن "جميع المهتمين بالتراث العظيم للعراق صعقوا بالخبر الرسمي الذي نشر في الصفحة الالكترونية للمفتشية"، مضيفاً أن هذا المشروع قد تم بالتنسيق مع ديوان الوقف الشيعي، ألذي استلم عائدية الأثر والموقع ككل (20 دونم)، منذ عام 2009"، معتبراً أن "ما جرى يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون، ويجب أن لا يتكرر أبداً في أي مكان آخر في العراق"، علماً أن عمر الأثر المسجل يبلغ 850 سنة.
تحريض ضد "المنصور"
وبالتزامن مع هذا الحدث تعرض تمثال الشاعر "أبو الطيب المتنبي" للتخريب، من قبل جماعة وصفتها أمانة بغداد في بيان لها بالنفر الضال. وكان الشارع الذي يضم التمثال قد تعرض لتفجير في آذار 2017 راح ضحيته 30 شخصاً. وأطلقت الصيف الماضي حملات طائفية تدعو لإزالة تمثال باني بغداد وثاني خلفاء الدولة العباسية "أبو جعفر المنصور". وجوبهت تلك المحاولات بردود فعل غاضبة، حيث قال مغردون أن "المنصور بنى بغداد، بينما لم يستطع الآخرون تقديم شيء لها سوى الدمار وهدم شواخصها". بعد ذلك بأيام حاولت هذه الجماعات هدم جامع الإمام الأعظم "أبو حنيفة النعمان" في الأعظمية، إثر تحريض من "صادق الشيرازي" المقيم في طهران، حيث ظهر في تسجيل يدعو بألفاظ طائفية لهدم الجامع. وتصدى الأهالي لهذه المحاولة بعد أن أحاطوا بالجامع، الذي سميت منطقة الأعظمية بإسمه. ويعد هذا الجامع من أقدم الجوامع والمدارس الدينية، ويعود تاريخه إلى عام 375 هـ ، حيث بني الى جوار مرقد الإمام النعمان، أما المدرسة الفقهية التي تحولت إلى كلية الإمام الأعظم، فتشير المصادر إلى أنها واحدة من أقدم ثلاث جامعات على مستوى العالم.
ولا يكاد يمر يوم إلا وترتفع فيه أصوات للمطالبة بإزالة هذا الصرح أو ذاك من الصروح الدينية والثقافية والحضارية التي تمثل هوية بغداد، وكذلك الآثار العباسية في بقية المحافظات، ومن بين هذه الدعوات تغيير تسمية شارع الرشيد والجامعة المستنصرية، لكن أكثرها غرابة الدعوة لهدم المئذنة الملوية، وهي منارة المسجد الجامع الذي بناه الخليفة العباسي المتوكل بالله عام 237هـ غرب مدينة سامراء، لتكون أعلى منارة لأكبر مسجد في العالم الإسلامي آنذاك. وكانت الأجزاء العلوية من المنارة قد تعرضت بالفعل للتخريب في وقت مبكر من الإحتلال.
من المستفيد؟
ويجد العديد من الباحثين أن هناك أجندات خارجية تعمل على إزالة الشواهد التاريخية العربية والإسلامية في العراق وسوريا ودول عربية أخرى، تارة بدوافع طائفية تستند إلى روايات تاريخية محرفة، وتارة بدوافع سياسية تهدف إلى تجريد هذه البلدان من شواهدها التاريخية، تمهيداً لإخضاعها بشكل كلي. وتعمل الميليشيات التابعة للنظام الإيراني والمتحالفون معه في كل من العراق وسوريا على تنفيذ هذه الأجندات، فقد تعرض مسجد ومرقد الصحابي خالد بن الوليد (رض) في حمص إلى التدمير إثر اقتحامه من قبل عناصر "حزب الله"، ولم يغادروا المسجد قبل أن يكتبوا عبارات طائفية على ما تبقى من جدرانه، كما تعرض المسجد الأموي الكبير في حلب، والمدرج على قائمة مواقع التراث العالمي، والذي بُنِيَ في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك سنة 96هـ لتدمير أجزاء منه وسقوط مئذنته التاريخية. وفي البصرة جنوب العراق تعرضت مراقد ومساجد الصحابة الأجلاء الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وأنس بن مالك لاعتداءات مشابهة، وهي أمثلة على العديد من الممارسات التي تقوم بها هذه الجماعات في أوقات متفرقة، في بغداد وأماكن أخرى. وفي هذا الشأن قال خبير الآثار عبد الرزاق الدليمي في حديث صحفي، إن "هناك مخططاً واضحاً لطمس هوية مدينة بغداد، وتغييباً متعمداً لتاريخها، من خلال إهمال الآثار العباسية وباقي المواقع الأثرية للعصور المختلفة، من قبل جهات سياسية مرتبطة بدول لها تأثير في الشأن العراقي".
إهمال وتخريب ومتاجرة
ولا يقتصر الأمر على تخريب هذه الشواخص، من قبل جماعات تحاول الجهات الرسمية التبرؤ منها في بياناتها المعلنة، بل أن هناك إهمالاً متعمداً لحقب معينة من تاريخ العراق، وبهذا الخصوص يؤكد الدليمي إن "قصر باب الذهب والخلد وكنوز كثيرة مطمورة تحت مياه دجلة والأبنية وشوارع مدينة بغداد"، مضيفاً أن الجهات المسؤولة عن الآثار والثقافة في البلاد "لا تكترث بملف التنقيب عن آثار حقبة كانت فيها مدينة بغداد مصدر إشعاع فكري وعلمي، ومقصداً لطالبي العلم والمعرفة من شتى بقاع العالم".
وفي مثل هذه الظروف وجدت الميليشيات وعصابات المتاجرة بالآثار فرصة سانحة لجني الأموال من آثار لا تكترث لها الجهات الرسمية، وأحياناً تتواطأ معها، بحسب شهادات لحراس وموظفين يعملون في المواقع الأثرية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. وأكد أحد هؤلاء الموظفين طالباً عدم ذكر اسمه، إن الآثار العباسية في بغداد تتعرض إلى عمليات تنقيب مستمرة من قبل عصابات مرتبطة بمليشيات مسلحة، مضيفاً أن "تلك العصابات أو المافيات يعمل معهم مختصون في الآثار، يمتلكون مخطوطات إرشادية للمواقع التي تحوي آثاراً لا تقدر بثمن". وختم هذا الموظف حديثه بالقول إنه قد تم "سرقة أعداد كبيرة من الكنوز والآثار من المدرسة المستنصرية والقصر العباسي ببغداد من قبل تلك المافيات، التي تتمتع بحرية تامة في السرقة وتهريب الآثار إلى خارج العراق".