تحتدم أزمة الأمن المائي والصحي في العراق وسط مؤشرات تنذر بكارثة بيئية غير مسبوقة، إثر ضخ نحو 6 ملايين متر مكعب من المياه الآسنة ومخلفات الصرف الصحي والصناعي يومياً وبصورة مباشرة في نهري دجلة والفرات. وتكشف بيانات رسمية وتقارير ميدانية عن فشل ذريع في منظومات تصفية المياه، مما يهدد حياة ملايين السكان ويضع البلاد أمام تحدٍ الوجود المائي والبيئي الأخطرفي تاريخها الحديث.
وأكد عضو لجنة الصحة النيابية، غيث شبع، في تصريحات لوكالة "شفق نيوز"، أن نتائج عينات مياه الإسالة المخصصة للشرب أظهرت مستويات تلوث "مرتفعة للغاية"، مسجلة نسب فشل مطابقة للمواصفات بلغت 100% في محافظة ميسان، و99% في المثنى، و97% في البصرة.
وأوضح النائب أن محطات معالجة المياه الحالية تقف عاجزة أمام هذا المزيج السام الذي يجمع بين مياه الصرف الصحي، والمخلفات الطبية للمستشفيات، والنفايات الكيميائية للمصافي النفطية ومحطات توليد الكهرباء. وفي ظل تقادم البنى التحتية وتجاوز أغلب مشاريع التصفية عمرها التشغيلي (أكثر من 25 عاماً)، يستعد البرلمان العراقي لعقد جلسة طارئة مطلع الأسبوع المقبل لاستضافة وزراء الصحة، والموارد المائية، والنفط، والإعمار، والبيئة؛ للخروج بتوصيات ملزمة.
وتتطابق هذه التحذيرات مع جردة رقابية وبيئية كشفت عنها لجان نيابية ومراصد متخصصة، مثل مرصد "العراق الأخضر"، الذي وثق وجود نحو 500 مصدر تلوث دائم على امتداد نهر دجلة وحده، من بينها 23 بؤرة حادة داخل العاصمة بغداد، وتحديداً عبر مصبات نهر ديالى الذي يُعد شريان الإحلال الرئيسي للملوثات.
من جانبها، حذرت خبيرة التلوث البيئي، إقبال لطيف جابر، من رصد مؤشرات لتلوث كيميائي وجرثومي وإشعاعي خطير في مصادر مائية عدة. وأكدت الفحوص المخبرية ارتفاع تراكيز المعادن الثقيلة السامة كالزئبق، والرصاص، والكادميوم، والنحاس في أنهار مثل "الوند" و"خريسان"، متجاوزة المعايير الدولية بأضعاف، مما ينذر بانتقال السموم عبر السلسلة الغذائية ومياه الري إلى النباتات وصحة المستهلكين مباشرة.
من جهته، اعتبر خبير السياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة، أن الأزمة تجاوزت البعد البيئي لتتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي والصحي، لا سيما مع التراجع الحاد في مناسيب الأنهار بفعل التغير المناخي والجفاف.
ودعا الخبراء إلى ضرورة الانتقال العاجل من سياسة "معالجة الأثر" إلى "منع المصدر"، وتطبيق مبدأ "الملوِّث يدفع" بفرض عقوبات رادعة، وتحديث البنى التحتية المتهالكة، في وقت تشير فيه بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 60% فقط من العراقيين يحصلون على خدمات مياه شرب مُدارة بشكل آمن، مما يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي لتفادي كارثة إنسانية واسعة النطاق.