أهوار العراق من قائمة التراث العالمي إلى بيئة ملوثة ومهملة

hozaya
15 أيار، 2021

بدل أن تصبح وجهة سياحية مهمة على المستوى الدولي تعاني الأهوار العراقية من إهمال كبير بعد خمس سنوات على قرار الأمم المتحدة بإدراجها على قائمة التراث العالمي. ففي تموز من عام 2016  أُدرجت الأهوار العراقية على لائحة التراث العالمي بعد أن صوتّت منظمة اليونسكو للتربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة بالإجماع لاعتبارها محمية طبيعية دولية ، إلى جانب المدن الأثرية القريبة منها  كمدينة "أور" و"أريدو" و"الوركاء"، معتبرة إياها "ملاذَ تنوعٍ بيولوجي وموقعاً تاريخياً لمدن حضارة ما بين النهرين". ورغم تعهد الحكومة بالإيفاء بتعهداتها المتعلقة بتحسين أوضاع الأهوار والحفاظ على نظامها البيئي وتقديم الخدمات الوظيفية لمجتمعها ليتناسب وضعها مع الصفة الجديدة التي أكسبها اياها قرار اليونسكو ، ورغم التبرعات الخارجية والأموال التي خصصت لها، لم ينجز أيّ تطور على المستوى الخدمي والعمراني، بل أنها أضحت بؤرة للتلوث ومكباً لأنابيب الصرف الصحي ، وهاجرت الطيور التي كانت تقطع مئات الأميال لتحط فيها، بينما نفقت أعداد من الجاموس والأسماك التي يعتاش عليها السكان المحليون بسبب تلوث المياه.

 

طبيعة الأهوار

تُشكل الأهوار نظاماً بيئياً متكاملاً نادراً في الشرق الأوسط ، حيث يطفو أرخبيل كبير من الجزر يبلغ 50 جزيرة فوق المسطحات المائية جنوب العراق، ويعتبر هور "الحمّار" أكبرها حيث يمتد من "سوق الشيوخ" في محافظة ذي قار إلى البصرة عند شط العرب، يليه في المساحة هور "الحويزة" الواقع بين محافظتي ميسان والبصرة، ويفصل بين إيران والعراق. وتغذي هذه الأهوار مياهُ دجلة والفرات وأنهارٌ أخرى ، وتتراوح مساحتها بين 35- 40 ألف كيلو متر مربع تضيق وتتسع حسب الموسم . ويصنع سكان الأهوار ، التي تسمى أيضاً "الجبايش" بيوتهم من القصب الذي ينمو في الأهوار، ويعيشون فيها منذ آلاف السنين ممتهنين تربية الجاموس والبقر وصيد السمك . وتعتبر الأهوار موطناً ل 26 نوعاً من الأسماك، إضافة لتنوع كبير من الطيور ، تهاجر اليها كل عام في فصل الشتاء قادمة سيبيريا  وشمال أوروبا وآسيا ، لتستمتع بدفء هذه البيئة بعيداً عن ألأجواء الباردة في مواطنها.

إن محطة مجاري المياه الملوثة الثقيلة الضارة بالبيئة تصب في الأهوار بدون أي معالجة لها، وهذا يؤثر بشكل مباشر على تنوع الأحياء النباتية والحيوانية فيها

بيئة ملوثة

تواجه  الأهوار اليوم أكثر من أي وقت مضى تهديداً بيئياً يتمثل بسوء إدارة مياه الصرف الصحي والتغير المناخي وعوامل أخرى ، وتفتقر المنطقة إلى وحدات معالجة محطات الصرف الصحي حيث تصب أنابيب المياه الثقيلة مباشرة في هذه الأهوار.  وبحسب مدير مجاري ذي قار حيدر رزاق فإن هناك مشروعين لمحطات المعالجة، كان من المفروض أن يبدأ العمل بأحدهما عام 2015، لكنه لم ينجز "بسبب الأزمة المالية". حسب تعبيره.

ويُلقى 70% من النفايات الصناعية مباشرة في الأنهار التي تغذي الأهوار، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وقال جاسم الأسدي مدير منظمة طبيعة العراق غير الحكومية التي تُعنى بحماية الأهوار، "إن محطة مجاري المياه الملوثة الثقيلة الضارة بالبيئة تصب في الأهوار بدون أي معالجة لها، وهذا يؤثر بشكل مباشر على تنوع الأحياء النباتية والحيوانية فيها"، مضيفاً إن مياه المجاري "تؤثر بصورة غير مباشرة على صحة الإنسان من خلال ما يستهلكه من منتجات حيوانية تعتمد صناعتها على الأبقار والجواميس الطافية فوق مياه الأهوار". ويفيد السكان المحليون "إن الجاموس لا يستطيع اليوم أن يشرب من الأماكن القريبة من أنابيب الصرف ويضطر لاجتياز عدة كيلومترات داخل الأهوار ليجد مياهاً غير ملوثة "، مؤكدين إن "مياه الصرف الصحي تسببت في نفوق الكثير من الأسماك وباتت تهدد كل الحيوانات التي تعتاش على مياه الاهوار، إضافة الى الروائح الكريهة المنبعثة منها"

وساهم الموقع الجغرافي لمنطقة الأهوار على الحدود مع إيران في تفاقم مشاكلها، حيث استُخدمت مساحتها المترامية الأطراف والنائية في جعلها وكراً لتهريب المخدرات والأسلحة، واختباء الخارجين على القانون، وتسلم البضائع المسروقة واحتجاز الرهائن.

التغير المناخي

 

وتساهم التغييرات المناخية أيضاً في تقليل مناسيب المياه التي تعتمد عليها البيئة في الأهوار بشكل رئيسي، وأعتبر "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول العالم" أن العراق ، البلد المعرّض للكوارث الطبيعية، "أصبح أكثر عرضة للمخاطر نتيجة التدهور البيئي الحاد وإهمال الحفاظ على البيئة، وضعف الأطر القانونية والتنظيمية للإدارة البيئية، وضعف الترتيبات والقدرات المؤسسية." وبحسب تصنيف الأمم المتحدة فإن العراق يحتل المرتبة الخامسة بين دول العالم المعرضة لتهديدات التغير المناخي، والتي تلقي بظلالها على البيئة في الأهوار. وحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2019 من أن "التغير المناخي من المتوقع أن يقلل هطول الأمطار السنوي في العراق، مما سيؤدي إلى زيادة العواصف الترابية وانخفاض الإنتاجية الزراعية وزيادة ندرة المياه". وقدر هذا البرنامج حصة الفرد العراقي من المياه عام 2015  ب 2100 متر مكعب سنوياً، لكن هذه النسبة ستنخفض إلى 1750 متر مكعب بحلول عام 2025،

 

أين ذهبت الأموال؟

ولكي توضع الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي اشترطت اليونسكو على الجانب العراقي ترميمها وإزالة التجاوزات عنها، وتطوير الجانب السياحي، لكن هذه الشروط لم تتحقق مما ينذر بإزالتها من اللائحة. وكانت العديد من ورشات العمل قد عقدت لدراسة الموضوع، أوصت إحداها عام 2017 بعدد من الإجراءات من بينها "تقديم الخدمات لسكان الأهوار، خاصة التعليم والصحة وسبل العيش الكريم، وتوفير بنية تحتية لمتطلبات السياحة تناغم الطبيعة (سكن وتنقل ومطاعم وتسهيل اجراءات دخول السياح)، وإدخال مواضيع مثل اتفاقية التراث العالمي وإدارة المحميات الطبيعية ضمن مناهج التعليم، والحرص على تطبيق معايير المحميات وتجنب الصيد والممارسات المؤذية والضارة للحياة البرية والطيور المهاجرة"، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث

وأكد بيان صدر مؤخراً عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، على أهمية التزام العراق باتفاقية "رامسار" للحفاظ على المناطق الرطبة والاستخدام المستدام لها ، من خلال إنشاء شبكة من المناطق المحمية، مؤكداً أنّ "الأهوار، ومن خلال الدعم المناسب، يمكن أن تصبح مصدراً لتطوير قطاع ثالث يعتمد على إدارة الموقع والسياحة والضيافة، والتي ستساهم على المدى الطويل في حماية واستدامة النظم البيئية والمناظر الطبيعية". وإثر ذلك، قالت الخارجية الأميركية أنّها "قدمت أربعة ملايين دولار أميركي لدعم الجهود الدولية والمحلية لاستعادة الأهوار العراقية، كما أكد وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق عبد الأمير الحمداني تخصيص نحو 10 ملايين و300 ألف دولار لبناء متحف و استكمال العمل في القرية السياحية ، لكن ذلك لم يتحقق، ولا يعرف حتى الآن مصير هذه الأموال.

 

menu-circlecross-circle