تقارير

السماد المسرطن يغزو العراق ..وكارثة بيئية وصحية تلوح في الأفق

مازالت العقود التي تبرمها الوزارات مع شركات وهمية، أو مع مقاولين ووسطاء محسوبين على هذا الحزب أو ذاك مستمرة منذ أول حكومة تشكلت بعد الاحتلال، لتغرق السوق المحلية بمختلف البضائع المنتهية الصلاحية، والأطعمة والمحاصيل غير المناسبة للإستهلاك البشري، بل وحتى الأدوية مجهولة المصدر، والتي قد تقضي على المريض بدل المساعدة في شفائه.

وآخر هذه العقود عقد الأسمدة المسرطنة التي أثارت اهتمام المنظمات المعنية بالبيئة، لما تحتويه من مخاطر تنذر بكارثة حقيقية إذا ما وزعت على الفلاحين. وكانت لجنة الزراعة والمياه والاهوار بمجلس النواب، قد أكدت إبرام صفقة مشبوهة، لاستيراد سماد روسي ملوث بالإشعاعات. وأشارت اللجنة إلى أن وزارة الزراعة، أبرمت عقداً مع إحدى الشركات، لتزويدها بـ(300) ألف طن من سماد الداب ((DAP روسي المنشأ، وقد وصل البلاد بالفعل (50) ألف طن من هذه الصفقة  كوجبة أولى. وبحسب اللجنة، فقد تبين لاحقاً أن السماد المستورد غير صالح للاستخدام الزراعي، بسبب احتوائه على نسبة مرتفعة من التلوث الإشعاعي، وأن كارثة بيئية وصحية محققة ستحدث، إذا ما وُزع على الفلاحين.

وخاطب رئيس اللجنة “ثائر الجبوري” مجلس القضاء الأعلى بقوله، إن السماد موضوع البحث “غير صالح للاستخدام، حيث أنه مرتفع الإشعاع ويتسبب بكارثة كبرى في البلد إذا تم توزيعه إلى المستخدمين من المزارعين والفلاحين.” وطالب الجبوري المجلس ب”إيقاف هذا العقد الموقع من قبل وزارة الزراعة، والتحفظ على الكميات الموجودة في المخازن، وإجراء تحقيق شفاف وعادل عن صلاحية هذه المادة للاستخدام، على أن تفحص المادة من قبل الجهات الحكومية الرسمية المختصة”.

 

 المعمل الذي أسسه المقاول العراقي على أساس أنه لإنتاج سماد الداب، واكتشف أنه ليس معملاً إنتاجياً، بل خط للتعبئة

 

تبادل الاتهامات

وتبادلت وزارتا الزراعة والصناعة الاتهامات حول المسؤولية عن هذه الصفقة، حيث ذكرت مصادر في وزارة الزراعة، أنها لم تستورد السماد وإنما تعاقدت مع وزارة الصناعة على تزويدها به، وهي المسؤولة عن استيراده. وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة “هادي هاشم”، إن وزارته “أبرمت عقداً مع وزارة الصناعة لتزويدها بسماد الداب، وجرى تجهيز الشركة العامة للتجارة الزراعية بكمية قدرها 50 ألف طن”، معقباً أن هذه الكمية من السماد (يشك) باحتوائها على نسبة من العناصر المشعة أكثر من الحدود الطبيعية، وأن وزارته أوقفت توزيع الكميات المتبقية (لحين التأكد من ذلك) حسب تعبيره.

من ناحيته أكد النائب السابق “رحيم الدراجي”، وصول سماد (فل) مسرطن، إلى البصرة، دون أن يخضع لعملية الفحص، حيث من المفترض أن يلتزم المستورد بشروط  “فحص السيطرة النوعية والنقل البري والبحري والجمارك والضريبة”.

وكشف الدراجي في لقاء تلفزيوني عن تفاصيل الصفقة، التي قال أن وزارة الصناعة أبرمتها مع أحد الاشخاص لإنتاج هذا النوع من السماد، لكنه أكد إن السماد لا يُنتج حالياً في العراق، وهي مجرد عملية تعبئة سماد مسرطن، محذراً من موت جماعي في غضون 4 سنوات. وأضاف الدراجي قائلاً، إن “وزارة الصناعة تعاقدت مع شخص عراقي الجنسية يزعم أن لديه شركة بريطانية؛ لغرض إنشاء معمل خاص بإنتاج سماد الداب، لكنه في حقيقة الأمر لم يكن معملاً إنتاجياً بل خط للتعبئة”، مستغرباً من قيام وزير الصناعة “منهل الخباز” بافتتاح هذا المعمل بعنوان إنتاجي.

وأضاف الدراجي إن السماد (الفل) يجري تجميعه وتعبئته على أنه إنتاج محلي، وهو موجود في مخازن قريبة من الشركة العامة للتجهيزات الزراعية، محذراً من “جريمة قتل جماعي إذا وزع على الفلاحين؛ لأنه مسرطن وغير مستوفٍ للشروط من الناحية الإشعاعية، بحسب كتاب مركز الوقاية من الإشعاع التابع ل‍وزارة البيئة”، مطالباً الجهات المختصة ب”إتلافه بأسرع وقت ممكن”.

وكان  نواب محافظة البصرة، قد طالبوا بتشكيل فريق من الهيئة الوطنية لمعالجة المصادر المشعة، للقيام بزيارة الشركة العامة لصناعة الأسمدة الجنوبية، وإجراء كشف على عينات من هذا السماد، قبل أن تثبت وزارة البيئة، بأن السماد الذي وصل إلى محافظتهم ملوث بالفعل بالإشعاع ولا يجوز استخدامه.

 

معمل القائم أصبح أطلالاً

وبحسب الدراجي، فإن “وزارة الصناعة تشترك سنوياً بمعرض بغداد الدولي بصناديق زجاجية فيها سماد الداب بعنوان الإنتاج الوطني، في حين أن ذلك السماد يعود لما قبل عام 2003؛ فالعراق حالياً لا يملك أي معمل ينتج هذه المادة”.

وأوضح أن “أحد مدراء الشركة العامة للتجهيزات الزراعية أجرى كشفاً على المعمل الذي أسسه المقاول العراقي على أساس أنه لإنتاج سماد الداب، واكتشف أنه ليس معملاً إنتاجياً، بل خط للتعبئة”.

من جهته أكد النائب “ماجد شنكالي” هذه المعلومات بقوله، أن مصنع السماد في البصرة لا ينتج السماد بل هو للتعبئة فقط، وهي أسمدة مسرطنة، مضيفاً في تغريدة له على موقع “تويتر”، أن “المصنع استورد سماداً روسياً، ظهر بحسب الفحص أنه ملوث إشعاعياً، ويريدون توزيعه على الفلاحين”.

ويعتبر سماد الداب من أكثر الاسمدة الفوسفورية استخداماً في العالم، حيث شاع استعماله في الستينات من القرن الماضي، بسبب خصائصه الفيزياوية الممتازة وقابليته على الذوبان السريع في الماء. وامتلك العراق قبل عام 2003 معملاً لإنتاج سماد الداب في الشركة العامة للفوسفات في قضاء القائم بمحافظة الانبار، قبل أن يتعرض مثل غيره من المعامل العراقية إلى الاهمال ويتوقف بشكل كامل، ويؤول الأمر إلى متعاقدين ومجهزين وشركات وهمية لا تهمها الكوارث الصحية والبيئية، التي يمكن أن تنجم عن استيراد مثل هذه المنتجات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى