تقارير

تلوث المناطق القريبة من الحقول النفطية .. كيف تحول النفط إلى نقمة على العراقيين؟

 

نتيجة لانهيار القطاعات الزراعية والصناعية بعد الاحتلال، بات الاقتصاد العراقي معتمداً بشكل كامل تقريباً على واردات النفط، حيث تتولى الشركات الاجنبية إدارة عمليات استخراجه، سواء بشكل مباشر أم عن طريق مقاولين ثانويين. ورغم العوائد المادية الضخمة التي يحققها النفط، لم تقم الحكومات المتعاقبة بما يتوجب عليها تجاه الكوارث البيئية والصحية، التي تنتج عن انبعاث ملايين الاطنان من الغازات الدفينة، بسبب حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط من الحقول النفطية. وبحسب البنك الدولي، فإن العراق يحرق 10 ملايين طن من الغاز سنوياً، ليحتل المرتبة الثانية دولياً من حيث حرق الغاز، بينما يواصل استيراد احتياجاته منه من إيران.

وتشير المواقع المتخصصة بالبيئة، إلى تراكم  كميات كبيرة من النفايات السامة خلال مراحل استخراج النفط والغاز وعمليات التكرير وأثناء النقل، كما تسبب بعض المنتجات الصناعية الثانوية، مثل الكبريت ومركبات النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة والنفط المتسرب، تلوثاً للماء والهواء والتربة، بمعدلات مرتفعة أدت للاصابة بالعديد من الأمراض من ضمنها السرطان، لدى سكان المناطق القريبة من الحقول.

ويمنع القانون العراقي حرق الغاز إذا كانت المسافة بين الحقل وأقرب تجمع سكاني أقل من عشرة كيلومترات، لكن أسباباً عديدة جعلت هذه المسافة تتقلص لأقل من (2.5 كم)، منها ازدياد المساكن العشوائية، التي انتشرت هي الاخرى بسبب الفقر، وكذلك إهمال الجهات الرسمية وتقصيرها بمجال التوعية والتحذير من مخاطر السكن في تلك المناطق.

 

من يتحمل المسؤولية؟

ولا تعلن الشركات النفطية الأجنبية العاملة في العراق في العادة، عن كميات الغازات المنبعثة نتيجة عمليات الاستخراج، والتي تسبب أيضا الاحتباس الحراري، خاصة عندما تتم الادارة عن طريق مقاولين ثانويين. وكشف تحقيق صحفي أجرته هيئة الاذاعة البريطانية  BBC)‏)، عن أن شركات النفط العملاقة مثل شل (Shell) واكسون موبيل (ExxonMobil) وبريتش بتروليوم (BP) وشيفرون (Chevron) وإيني (Eni) لا تعلن عن حجم انبعاث الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الغاز، ملقية باللائمة في إخفاء هذه المعلومات على المقاولين الثانويين الذين تعاقدت معهم لإدارة العمليات اليومية في الحقول النفطية، باعتبار أنها هي من يتحمل مسؤولية نشر هذه المعلومات. كما أن المقاولين الثانويين الذين يشغلون الحقول امتنعوا بدورهم عن الاعلان عنها، تجنباً لأي تبعات قانونية قد تترتب على ذلك. وأكدت هيئة الاذاعة البريطانية في تحقيقها الذي نشرته مؤخراً بعنوان “تحت سماء سامة”، إن إنتاج النفط في العراق تحول من نعمة لتحسين الأوضاع المعيشية للعراقيين، إلى سبب رئيسي للإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان.

 

ألاولوية لأرباح الشركات

وأورد التحقيق أمثلة للمناطق التي ترتفع فيها نسبة الاصابة بهذه الامراض مثل غرب القرنة والرميلة والزبير وغيرها في جنوب شرق البلاد، حيث تتزايد معدلات الاصابة بسرطان الدم لدى الاطفال بسبب حرق الغاز، مشيراً لتقرير مسرب من وزارة الصحة العراقية، أكد ارتفاع معدلات الاصابة بمرض السرطان في محافظة البصرة بنسبة 20% بين عامي 2015 و 2018، بسبب تلوث الهواء الناجم عن عملية حرق الغاز.

وأكد أطباء يعملون في المستشفيات القريبة من المناطق الملوثة، إنّ التلوث يزداد وينخفض تبعاً لهبوب الرياح الموسمية التي تحمل الغازات إلى الأحياء السكنية، مسبباً أضراراً بالغة لا تقتصر على الانسان، بل تتعداه الى الحيوانات أيضا.

وحمّل الدكتور “كمال الحديدي” الشركات الأجنبية المسؤولية، مؤكداً ان “الخلل يكمن في انعدام وسائل الأمان وحماية البيئة، واتباع الشركات إسلوب الحرق والتنفيس للغازات المصاحبة لاستخراج النفط، رغم علمها أنّ اتجاه الريح ينقل تلك الغازات إلى الأحياء السكنية”.

من ناحيته أطلق “ديفيد بوي”، وهو خبيرمستقل لدى الامم المتحدة معني بالبيئة وحقوق الانسان، تسمية “مناطق التضحية الحديثة”، على المناطق التي يجري فيها التضحية بالسكان القريبين من الحقول النفطية، ووصفها بأنها “مناطق تعطى فيها الأولوية للربح والمصالح الخاصة على حساب البيئة وصحة الإنسان وحقوقه”.

 

من البصرة إلى الموصل

ويعتبر انبعاث الغازات مسألة مألوفة أينما وجدت الحقول النفطية وأحرق الغاز المصاحب لها، لكن ما يخرج عن المألوف هو حجب المعلومات الخاصة بكمية هذه الغازات، لكي يصبح بالامكان وضع الخطط الكفيلة بتجنيب السكان الأضرار الناجمة عنها. وإلى جانب البصرة، شكا السكان في مدينة القيارة القريبة من الموصل مركز محافظة نينوى، من ارتفاع معدلات تلوث الهواء، حيث سجلت العديد من حالات الاختناق بالغازات المنبعثة من مصفاة النفط القريبة منها، حيث لا تقتصر الاضرار على الغازات الناجمة عن حرق الغاز، بل من مصافي النفط أيضاً. وسجلت المدينة أكثر من 80 حالة اختناق بهذه الغازات، وأكد مسؤولون في مستشفى المدينة، التي تبعد 60 كم جنوب الموصل، تسجيل هذا العدد من الاصابات خلال فترة وجيزة، غالبيتهم من النساء والاطفال. وقال طبيب يعمل في المستشفى للصحيفة التي أوردت التقرير، إن الفحص الذي أجري على المصابين أثبت وجود تسمم بالدم لدى عدد منهم، بسبب استنشاقهم لهذه الغازات. وحمّل نواب في البرلمان وزارة النفط مسؤولية التلوث في المدينة، مضيفين أن شركة “سونغول” الأنغولية التي تعمل هناك، تتحمل هي الاخرى المسؤولية”، بسبب عدم استخدام عازلات الغاز”، مطالبين الوزارة بإيقاف الانتاج وفتح تحقيق عاجل، وإلزام الشركة بالشروط الفنية والبيئية والمجتمعية.

ونقلت الصحيفة عن المهندس “سمير عبد الله” قوله، انّ “المصفى الذي بُني خلال أربعينيات القرن الماضي، لم يشهد أي إضافة لفلاتر التنقية خلال استخراج النفط، أو استحداث مصاف جديدة تراعي عدم حصول تلوث في الهواء”.

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى