تقارير

لا يتطابق مع توجهاتها.. حكومة السوداني تحسم الجدل حول قانون خدمة العلم

تطبق العديد من دول العالم نظام الخدمة العسكرية الالزامية، حيث تساق الفئات العمرية من الشباب الذين بلغوا السن القانوني للخدمة، وفق النظام المتبع في ذلك البلد. وتختلف دواعي إقرار مثل هذه القوانين من بلد لآخر، فبعض الدول تشرعه لأسباب دفاعية عندما تكون معرضة لتهديد خارجي، لكن في الغالب تكون أسباب التشريع تربوية، حيث يصقل الاعداد العسكري الشباب ويعلمهم الانضباط واحترام القانون والتفاني في خدمة البلاد، خاصة وأنهم في بداية المرحلة العمرية، التي تؤهلهم لتحمل المسؤولية.

كذلك تختلف قوانين الخدمة العسكرية ومدتها من بلد لآخر، وهناك بلدان تكتفي بالخدمة الطوعية، وأخرى تفرض الخدمة الالزامية الى جانب الطوعية، كما ان هناك دولاً ليس لديها جيوش، وبالتالي لا يوجد فيها أي نوع من الخدمة العسكرية.

  وكان العراق من بين الدول التي طبقت  نظام الخدمة العسكرية، حيث اقتُرح لأول مرة عام 1927، لكن تنفيذه فعلياً لم يتحقق الا عام 1935، عندما صدر قانون الدفاع الوطني، واختلفت تسميته باختلاف الحقبة السياسية، حيث سمي حيناً بخدمة العَلم، وحيناً الخدمة الإلزامية، أوالتجنيد الإجباري، لكنه بقي نافذاً حتى عام 2003، حيث ألغي العمل به بعد الاحتلال.

 

 

إنقسام حول القانون

ومن جديد طُرح مشروع الخدمة الإلزامية في مجلس النواب، لكن كالعادة، ومثل كل المشاريع التي عرضت عليه، إنقسم ممثلو الكتل البرلمانية حوله بين متحمس لإقراره، وبين متحمس لإلغائه، كما شهد الشارع العراقي أيضاً جدلاً حول أهميته، فالمؤيدون لتشريعه يرون أنه مهم لأمن البلد وللحفاظ على الهوية الوطنية، باعتبار أن الخدمة الالزامية من شأنهاصهر مكونات المجتمع في جيش تزول فيه النزعات القومية والطائفية التي ساهم النظام بتكريسها. ويرى هؤلاء أن الجيش العراقي ومنذ الغائه وتشكيل جيش جديد بعد الاحتلال، بات  يفتقد للتوازن في بنائه، حيث خضعت التعيينات فيه للعامل الطائفي، مما يعني استئثار أحزاب دون غيرها بمركز القوة وتهميش المكونات الاخرى، مع الاخذ بنظر الاعتبار غياب الكرد بسبب وجود جيش خاص بهم هو البيشمركة.

ومن المؤيدين للمشروع رئيس الوزراء السابق “مصطفى الكاظمي”، يشاطره الرأي رئيس مجلس النواب “محمد الحلبوسي”، الذي قال في تغريدة له على تويتر، “إنّ المضي بتشريع القانون يضمن إعداد جيلٍ من الشباب أكثر قدرة على مواجهة مصاعب الحياة، مُلِمٍّ بالحقوق والواجبات، ومتحفِّز لحفظ الدولة وسيادتها، ويسهم في تعزيز منظومة القيم والأخلاق والانضباط والالتزام بالهوية الوطنية”،  لكن ناشطين وجدوا في موقف الكاظمي والحلبوسي من المشروع  مفارقة “مضحكة مبكية”، حيث أن الرجلين المتحمسين لإقرار القانون لم يخدما يوماً واحداً في الجيش العراقي!

وبحسب المستشار السابق في وزارة الدفاع “معن الجبوري”، فإن “الجيش بحاجة إلى تجديد طاقاته البشرية، لأن المنخرطين فيه حالياً هم من المتطوعين في بداية إعادة تشكيله عام 2004، وأعمارهم اليوم ربما تصل إلى 50 عاما”. وتساءل الجبوري عن سبب السماح  للعشائر والأحزاب والخارجين عن القانون بالتسلح فيما تتوالى الاعتراضات على بناء جيش عراقي وطني، مضيفاً في مقابلة تلفزيونية، أن هناك فصائل مسلحة كثيرة قد يصل عددها لنحو 100 فصيل خارج نطاق الدولة، وهذه كلها عسكرة للمجتمع، أما عندما يعمل الجندي وفق سياقات الدولة ويحمي البلد، فإن المعترضين يسمونها عسكرة للمجتمع.

 

 

ماذا يقول المعترضون؟

وتعددت مبررات المعترضين على تشريع قانون الخدمة الالزامية، فمنهم من يرى أنه سيكون باباً جديداً للفساد، ومنهم من اعتبره “عسكرة للمجتمع”. وبهذا الخصوص قال النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني “ماجد شنكالي”، إن حزبه “لن يدعم قانون خدمة العلم وليس مؤمناً بعسكرة المجتمع” حسب تعبيره.

على صعيد آخر، انتقد الخبير بالشأن السياسي “عبد الجبار أحمد” التوجه في الوقت الحالي لإقرار هذا القانون، وقال موجهاً كلامه لمؤيدي المشروع من الطبقة السياسية، إن “الهوية الوطنية التي تريدونها عبر خدمة العلم لن تتحقق، لأنكم أصلاً ضربتم المواطنة والهوية الوطنية بسلاح المحاصصة”. وتابع أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد في تغريدة له قائلاً، “من يرد الهوية الوطنية فطريقها واضح، اعدلوا في توزيع الثروات، وامنحوا فرص العمل، وافتحوا المنتديات للشباب، وتنازلوا عن مسمياتكم الفرعية، عندها تتحقق الهوية الوطنية”.

من ناحيته يرى الإعلامي “عزيز الربيعي”، إن “قانون التجنيد الإلزامي يأتي ضمن خطة وضعتها القوى السياسية في العراق لتنفيذ ما يعرف بمشروع حماية النظام، حمايته من الشباب المطالبين بالحقوق عبر زجهم في معسكرات التجنيد بهدف السيطرة على تحركاتهم”.

 

مجلس الوزراء يحسم الجدل

ولم يطرح مشروع قانون الخدمة الالزامية أمام البرلمان منذ الغائه بعد الاحتلال حتى العام الماضي، عندما عاد الحديث عنه. وأخفق البرلمان بإقرار مشروع القانون واستمر تأجيله حتى مطلع الشهر الجاري، عندما فشل مرة أخرى في جلسته التي عقدت في السادس منه، بعرض المشروع للقراءة الأولى. وجاء في بيان للدائرة الإعلامية للمجلس، ان “المجلس أجل القراءة الاولى لمشروع قانون خدمة العلم (التجنيد الالزامي) إلى الجلسة المُقبلة”، لكن النائبة “زهرة البجاري” التي تعارض القانون عقبت بالقول، إن “جهود النواب نجحت بسحب‏ مشروع قانون الخدمة الإلزامية من جدول الاعمال وسيرسل للحكومة ولن يقدم مستقبلا”.

وحسم رئيس الوزراء الحالي “محمد شياع السوداني” الجدل حول الموضوع بقوله، إن الخدمة العسكرية الإلزامية لن يعاد فرضها، مؤكداً في اجتماع لمجلس الوزراء “سحب مشاريع عدد من القوانين من البرلمان لكونها لا تتطابق مع توجه الحكومة، ومنها قانون خدمة العلم”، مشدداً على ضروة أن “تكون القوانين مطابقة لوجهة نظر الحكومة”.

وكان مجلس الوزراء قد قرر في الاجتماع المذكور تخويل رئيسه صلاحية سحب مشاريع القوانين من مجلس النواب. وحول قانونية هذا الاجراء قال عضو اللجنة القانونية النيابية “عارف الحمامي”، إن”سحب القوانين من قبل مجلس الوزراء اجراء دستوري وقانوني، خصوصاً ان هذه القوانين مرسلة من قبل الحكومة السابقة، والحكومة الحالية لها رؤية خاصة تختلف عن السابقة” حسب تعبيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى