تقاريرجرائم حزب الدعوةسرقة العراقملفات الفساد في العراق

تداعيات سرقة القرن.. هل يجيز القانون إبرام صفقة مع المتهمين؟

توقع معهد “تشاتام هاوس” البريطاني، إنهياراً وشيكاً للدولة العراقية، بسبب استمرار فضائح الفساد المالي التي أفرزها نظام المحاصصة، حيث يكفل هذا النظام استغلال ثروات العراق الكبيرة من قبل الأحزاب التي تتقاسم السلطة والنفوذ. وتفتقر الدوائر الرسمية العراقية لإحصاءات دقيقة عن حجم الإيرادات المتحققة للبلاد، إلا أن المعهد، وهو منظمة غير حكومية تعمل على تحليل الأحداث الدولية، قدر ثروة العراق ب 100 مليار دولار سنوياً، مؤكداً إنه خسر 550 مليار دولار خلال بضع سنوات فقط، لأسباب تعود لتسمك الطبقة السياسية بنظام المحاصصة وتفشي الفساد، مضيفاً أن الشعور السائد لدى العراقيين هو خيبة الأمل من الطبقة السياسية والنظام بشكل عام، خاصة مع ظهور فضائح غير مسبوقة تتعلق بنهب المال العام.

وانشغلت وسائل الاعلام في الفترة الأخيرة بفضيحتين من العيار الثقل، تتعلق الاولى بتورط ضباط كبار في عمليات تهريب النفط، والثانية بسرقة مليارين ونصف المليار دولار من أموال الأمانات الضريبية. فقد تداولت وسائل الاعلام صورة كتاب صادر عن وزارة المالية في حكومة الكاظمي معنون إلى هيئة النزاهة، يتحدث عن سرقة أمانات ضريبية بقيمة  (3,7) تريليون دينارٍ عراقي كانت مودعة لدى مصرف الرافدين الحكومي، وجرى سحبها نقداً وعلى مراحل خلال الفترة الممتدة بين 9 أيلول/سبتمبر 2021 و11 آب/أغسطس 2022، بواسطة صكوك حُرّرت إلى 5 شركات.

الجريمة ستُنسى قريباً

وسرعان ما انتشر خبر الفضيحة في الصحف والمراكز الخبرية العالمية، حيث وصفتها  صحيفة “فاينانشال تايمز” بأنها “فضيحة فساد واسعة النطاق، تورطت فيها بعض الفصائل السياسية الشيعية المتعارضة فيما بينها، والتي اتحد معظمها هذا الصيف لتسمية السوداني رئيساً للحكومة.”

وتوقعت الصحيفة أن الفضيحة التي أطلق عليها “سرقة القرن” ستُنسى قريباً، لأن الأطراف الممسكة بالحكم متورطة بها، مضيفة أن الأموال المسروقة كانت تنقل خلال عام كامل بعربات مصفحة وبشكل اسبوعي عبر شوارع بغداد المزدحمة، إنطلاقاً من مصرف الرافدين الحكومي، وأن قسماً منها خصص لشراء الدولار من “مزاد العملة” اليومي.

وذكرت مصادر صحفية أن جزءاً آخر من المبلغ المسروق نقل بالشاحنات ومر من عشرات نقاط التفتيش إلى حي المنصور في بغداد، حيث أودعت في منازل اشتراها اللصوص لخزن المليارات.

ونقلت “فاينانشال تايمز” عن مصادر اطلعت على التحقيقات قولها، أن ثلاثاً من الشركات الخمس التي صرفت لها الصكوك، تأسست قبل شهر واحد فقط من تنفيذ مخطط السرقة. ولم تستبعد المصادر أن يكون لكل من  مصرف الرافدين والمصرف المركزي علم بمخطط السرقة؛ حيث أن المبالغ المسحوبة من المزاد كانت كبيرة جداً، والزيادة الحاصلة في الدولارات التي تم شراؤها كانت أكثر من المعتاد، كما أن نقل  هذا الحجم من الأموال يتطلب شاحنات مصفحة، الأمر الذي يشير إلى تورط الميليشيات التابعة للأحزاب والأجهزة الأمنية الحكومية، التي تمتلك مثل هذه العجلات.

 

إطلاق سراح متهم وفق صفقة لا يتطابق مع أحكام القانون، فالجرم يستوجب العقاب بمجرد وقوعه، حتى لو أعيد المبلغ كاملاً.

 

الحاجة إلى “كبش فداء”

وكما يحدث في سرقات من هذا النوع، تطلب الأمر “كبش فداء” تُلقى تبعات السرقة على عاتقه، لكي تخلي الجهات المتورطة ساحتها، وهكذا تمت التضحية بموظف يدعى “نور زهير جاسم”، حيث ألقي القبض عليه وهو يحاول الهرب من مطار بغداد، على متن طائرة خاصة. وأكدت المصادر أن جاسم ذكر في اعترافاته أسماء وزيرين وسبعة وكلاء وزير وأحد عشر مدير عام، قال أن إنهم مشتركون معه. ولم تذكر المصادر الرسمية إن كانت ستلقي القبض على الأسماء التي ذكرت في التحقيق، كما أنها لم تذكر الكثير عن سيرة المتهم الذاتية وعمله السابق، الذي مكنه من سرقة هذا المبلغ الكبير، لكن مصادر صحفية ذكرت أن نور، المكنى ب”أبو فاطمة” هو عراقي في الثلاثينات من العمر، ويعمل في الموانئ التجارية.

وكان رئيس الوزراء “محمد السوداني، قد ظهر في مؤتمر صحفي محاطاً بأكوام من الأموال، قال إنها تمثل جزءاً من المبلغ المسروق، وأن حكومته تمكنت من استردادها من السارق وفق صفقة ابرمت معه، تضمنت إطلاق سراحه بكفالة.

 

 

المشهد الأخير : السوداني محاطاً بأكوام الأوراق التقدية

وأثار مشهد ظهور رئيس الوزراء في مؤتمر صحفي محاطاً بأكوام من الأموال، قال إنه استردها من المبلغ المسروق موجة من السخرية بين العديد من المدونين. وربط الصحفي “عبد اللطيف الهجول” بين هذا المشهد وبين تأخر صرف الرواتب، عندما غرد ساخراً “عزيزي المواطن العراقي: نعتذر عن سبب تأخير رواتبكم لأن الأموال عندهن جلسة تصوير. غداً الاستلام، شكراً لتفهمكم. وزارة المسرحيات العراقية”.

وجاء في تغريدة الصحفي أحمد سعيد، إن “سرقة القرن ليست 2.5  مليار دولار، بل هي 20 عاماً من عمرنا، سُرقت ونحن نشاهد الفساد والدماء والفشل في بناء دولة مؤسسات وقانون”.

ووصف صحفيون مؤتمر السوداني الصحفي، بأنه “مشهد مسرحي مبتذل”، حيث أن الأموال لا تسرق ولا تسترد بهذه الطريقة البدائية. كما انتقد خبراء قانونيون إجراء تسوية مع المتهمين، لأن إطلاق سراح متهم وفق صفقة لا يتطابق مع أحكام القانون، فالجرم يستوجب العقاب بمجرد وقوعه، حتى لو أعيد المبلغ كاملاً.

وكان السوداني قد ذكر في مؤتمره الصحفي، إن حكومته قد تمكنت من استعادة 182 مليار دينار (نحو 121.3  مليون دولار) من المبلغ المسروق، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بحجم السرقة البالغ 3.75 ترليون دينار (2.5 مليار دولار).

ولا يتوقع متابعون لهذه القضية، أن يستعاد كامل المبلغ ما لم يتم القاء القبض على الرؤوس الكبيرة، وأن الأرجح هو أن يتم مع الوقت تسويف القضية وتجاهلها، وهو الإحتمال الذي رجحته “فاينانشال تايمز” في تحليلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى