تقارير

إملاءات إيران الأخيرة: شركة لميليشيا الحشد ومكاتب اقتصادية وجامعات إيرانية

ذهب العديد من المحللين السياسيين المتخصصين بالشأن العراقي، إلى أن الفترة القصيرة الماضية من عمر حكومة السوداني، أظهرت بوضوح ملامح توجهاتها الحقيقية، وأن العراقيين ليسوا مضطرين للإنتظار طويلاً، للتأكد من أن هذه التوجهات تصب بمجملها في خدمة التوجه الإيراني، بتكريس بقاء العراق ساحة خلفية لها، وأن ليس في ذلك مفاجأة لأحد، نظراً لخلفيات رئيس الحكومة “محمد شياع السوداني”، والإطار التنسيقي الذي نصبه على رأسها، وكان ذلك واضحاً من طبيعة انتماءات الوزراء الذين تمت تسميتهم وسيرهم الذاتية، إذ ترتبط أسماء بعضهم بميليشيات تابعة لإيران، فيما ترتبط أسماء آخرين بملفات فساد كبيرة.

واستهلت حكومة السوداني عملها بسلسلة من القرارات التي أثارت مخاوف أطراف عراقية، وجدت أن الهدف منها تكريس التبعية لإيران، في المجالات الأمنية والاقتصادية والثقافية. وأصدرت الحكومة مؤخراً عدداً من القرارات، رأت هذه الأطراف أنها تشكل خطراً كبيراً على البلاد في المجالات المذكورة. ومن بين هذه القرارات تأسيس شركة عامة لميليشيا الحشد الشعبي، والامتثال لقرار إيراني بتأسيس مكاتب لوزارة النفط الإيرانية في بغداد وعدد من المحافظات، لكن هذه الأطراف وجدت أن الخطر الأكبر يأتي من الجانب الثقافي، حيث وافقت الحكومة على افتتاح عدد من الكليات التابعة لجامعة طهران في العراق، مؤكدين أن هذه الخطوة تهدف الى بناء جيل من الشباب معبأ بالأفكار الغريبة التي لا تتلاءم مع توجه وطبيعة وثوابت المجتمع العراقي الاجتماعية والثقافية.

شركة للميليشيات

ووافقت الحكومة على تأسيس شركة عامة تابعة لهيئة الحشد تحمل إسم “المهندس” برئاسة “فالح الفياض” رئيس الهيئة، برأس مال قدره 100 مليار دينار عراقي (حوالى 70 مليون دولار). ويشير اسم الشركة إلى نائب رئيس الهيئة السابق “أبو مهدي المهندس”، الذي قتل مع قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني”، في غارة جوية أمريكية عام 2020. وجاء في قرارمجلس الوزراء الصادر بهذا الشأن، “الموافقة على تأسيس شركة عامة باسم (المهندس) برأسمال مئة مليار دينار، ترتبط بهيئة الحشد الشعبي، استنادا إلى أحكام المادة 8 من قانون الشركات العامة (22 لسنة 1997) المعدل”. ونقلت وسائل الإعلام عن مصدر مطلع رفض الكشف عن اسمه، أن الغاية من إنشاء الشركة هي إضفاء طابع شرعي على نشاط الميليشيات التابعة لإيران في مجال التجسس ومراقبة الحدود العراقية مع الأردن والمملكة العربية السعودية، وتأمين الحدود الإيرانية، خاصة في أطراف محافظة ديالى، تحت ستار إقامة مشاريع ذات طابع مدني- اقتصادي في هذه المناطق، للتمويه على نشاطها الحقيقي. ولم توضح حكومة السوداني علاقة ميليشيا مسلحة بالأعمال التجارية وبالأنشطة الاقتصادية، ألتي يفترض أن تقوم بها الشركات المدنية.
ويرى المحلل السياسي الدكتور “معتز النجم”، إن “التمدد من العسكرة إلى التدخل بالسياسة والاقتصاد أصبح سياسة متبعة بالعراق، لذلك فإن (حشدنة) الاقتصاد يشكل خطأً وعبئاً كبيراً على الإقتصاد العراقي، مضيفاً في حديث صحفي أن “الاقتصاد في العراق متأرجح، وهذه الخطوة تشكل خطورة عليه، لاعتماده على الاقتصاد الريعي أحادي الجانب بالاعتماد على تصدير النفط، لذلك فإن الأحزاب الحالية تريد الهيمنة عليه، خاصة وأن العالم يعيش أزمة طاقة، والدول بدأت تبحث عن الطاقة البديلة”.

توريط العراق بقضية العقوبات

من ناحية أخرى أكدت تقارير صحفية، إن وزارة النفط الإيرانية ستفتتح المزيد من المكاتب في عدد من المحافظات العراقية، بضمنها البصرة ومحافظات تابعة للإقليم، بعد أن افتتحت أولى مكاتبها في العاصمة بغداد. واعترفت وكالة مهر الايرانية، بما أوضحته  شبكة “مييس” في وقت سابق، من أن “تلك المكاتب أثارت القلق من وجود نوايا إيرانية للسيطرة على سوق الطاقة العراقي”. وأوضحت الشبكة المعنية بالشؤون النفطية العالمية، إن السيطرة تمت من خلال استخدام المكاتب والتعاون الاقتصادي الذي اتفق الطرفان الإيراني والعراقي على تنفيذه خلال زيارة رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” إلى طهران الاسبوع الماضي”. وامتنع المسؤولون العراقيون عن التعقيب على هذه الأخبار، وبيان الغاية من افتتاح هذه المكاتب، وما إذا كان العراق بحاجة لها، فيما استمد عدد من وسائل الإعلام المعلومات من الجانب الإيراني، حيث يوجد قسم خاص بالشؤون العراقية بوزارة النفط الإيرانية. وقال مسؤول القسم “سيد عباس بهشتي”، إن “الهدف من تأسيس المكتب هو تعزيز التعاون الثنائي، ولا سيما تبني مشاريع مشتركة في قطاعي النفط والغاز بين طهران وبغداد”. وعن إمكانية فتح مثل هذه المكاتب خارج إيران رغم العقوبات التي تفرضها واشنطن على بلاده قال بهشتي، إن الخطوة جاءت “للاستفادة حالياً من الاستثناء الذي تمنحه الولايات المتحدة للحكومة العراقية من العقوبات المفروضة على طهران، لتوسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين” حسب تعبيره.

 

الموافقة على منح جامعة طهران للعلوم الطبية/الفرع الدولي في العراق بمحافظة كربلاء إجازة تأسيس

 

وتفرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية على طهران منذ 2018، تتجدد كل 3 أشهر، تشمل بالإضافة لبنود أخرى، ألتحويلات المالية المتعلقة بالنفط الإيراني. واستثنت واشنطن العراق بشكل جزئي من هذه الإجراءات بسبب اعتماده على إيران في توفير احتياجاته من الطاقة الكهربائية، لكن مصادر اقتصادية رأت أن افتتاح مكاتب لوزارة النفط الايرانية في العراق قد تفسره واشنطن على أنه خرق للعقوبات، مما يعرض العراق لمواقف هو في غنى عنها، علاوة على أن هذه المكاتب لا تمثل أي جدوى اقتصادية للعراق، وقد تستخدم بالفعل للإلتفاف على العقوبات، وتمويل أنشطة محظورة.

فرض الثقافة الإيرانية

إلى ذلك، أصدر مجلس الوزراء قراراً آخر في جلسته السادسة الاعتيادية، ألتي عقدها يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر، يتعلق بافتتاح عدد من الكليات الإيرانية التابعة لجامعة طهران للعلوم الطبية في المحافظات العراقية. وجاء في القرار أنه تمت الموافقة على منح جامعة طهران للعلوم الطبية/الفرع الدولي في العراق بمحافظة كربلاء إجازة تأسيس. وتوقع مراقبون أن يتبع هذا القرار افتتاح كليات أخرى للعلوم الإنسانية أيضاً، مما يعني تطويع الجوانب الثقافية للرؤية الإيرانية التي لا تتلاءم مع طبيعة المجتمع العراقي.

ولم يكن هذا الإجراء الأول من نوعه، حيث سبق ذلك قرار لوزير التعليم العالي “نعيم العبودي” القيادي في مليشيا العصائب التابعة لقيس الخزعلي، بإنشاء عدد من كليات الطب الأهلية، من ضمنها فرع  لجامعة إيرانية.

وعن المستوى العلمي لهذه الكليات، أكد النائب السابق “جواد الموسوي” إنها عبارة عن “دكاكين تجارية لتخريج انصاف أطباء لايهدف إلا للربح المادي وبضغط من جهات معروفة، حيث تم تغيير أعضاء لجان الاستحداث الرصينة واستبدالهم بآخرين”. ونقلت مصادر صحفية عن الموسوي قوله، إن افتتاح الكليات الإيرانية يمثل “يوماً أسود للعراق، يُدخله في حقبة لتخريج أنصاف أطباء”، مضيفاً أن القرار “مخالف لقرار سابق لمجلس الوزراء برقم 92، لبيانات النقابات المهنية وخطابات أعضاء البرلمان ولجنة التعليم النيابية ولكل القوانين والأنظمة والتعليمات والضوابط”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى