تقارير

موارد الحشد المالية أنشطة مشبوهة بغطاء رسمي

كشفت تقارير صحفية عن جوانب متعددة من مصادر الأموال التي تجنيها فصائل الحشد الشعبي وميليشيات أخرى، بعلم السلطات التي تغض النظر عنها، رغم خطورتها على الاقتصاد الوطني، وعلى الواقع الاجتماعي والصحي، كالمتاجرة بالمخدرات.

وقالت وكالة “فرانس برس”، إن الميليشيات وسعت سيطرتها على الملف الأمني لتشمل المناطق التي دخلتها بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 2017، وأسست فيها مكاتب اقتصادية لتعزيز مواردها بطرق مختلفة، كما فرضت نفسها كشريك في عقود إعادة إعمار تلك المناطق، بالاضافة إلى تقاسم واردات النفط في المنطقة. وكشف تقرير للبنك الدولي صدر عام 2020 عن استيفاء هذه الجماعات للرسوم من دون تسجيل عائدات لخزينة الدولة. ولم تكتفِ الميليشيات بذلك، بل بدأت بفرض الإتاوات واستيفاء مبالغ شهرية من اصحاب المتاجر والمطاعم والمقاهي والشركات المحلية، كما فرضت رسوماً على الشاحنات المارة من نقاط التفتيش التابعة لها، والمنتشرة على الطرق الخارجية.

وأحكمت الميليشيات سيطرتها على المنافذ الحدودية الرسمية في محافظات عدة، كما أنشأت منافذ أخرى غير رسمية خاصة مع سوريا وإيران، مما أتاح لها تمرير الأسلحة والأعتدة ومختلف أنواع الممنوعات وفي مقدمتها المخدرات، حيث توفر هذه التجارة للأحزاب والميليشيات التابعة لها أموالاً طائلة. وتعزز هذه الموارد ما تتقاضاه بشكل رسمي من الموازنة العراقية، حيث خصصت موازنة عام 2021 للحشد الشعبي أكثر من 2.4 تريليون دينار.

قسم كبير من الأموال التي يستحصل عليها الحشد يذهب إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي يؤمّن وصول المخدرات إلى الحدود العراقية.

 

 

سوق المخدرات

وتساهم سيطرة الميليشيات على طرق المواصلات بتأمين وصول الممنوعات إلى أهدافها داخل البلاد وعبر الحدود، حيث لا تتدخل أجهزة الدولة الأمنية بأنشطتها. وبحسب تقارير صحفية، فإن الميليشيات حولت البلاد من ممر لتجارة المخدرات القادمة من إيران إلى سوق كبيرة لها. وقال مدير مؤسسة حقوقية طلب عدم الكشف عن اسمه، إن حزب الله اللبناني أمدّ الميليشيات العراقية بخبراته في تجارة المخدرات، حيث يمتلك تاريخاً طويلاً بالعمل في هذا المجال، مضيفاً إنها أصبحت تعتمد على إيرانيين ولبنانيين على دراية وخبرة بزراعة وتصنيع بعض الانواع، مما مكنها من إنشاء مزارع لها في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ورجح المصدر معرفة القوات الأمنية بما يجري، “لكنها لا تتمكن من الوصول إلى مناطق زراعة المخدرات”، نظراً للسيطرة المطلقة التي تفرضها الميليشيات، خاصة بعد صدور قانون مؤسسة الحشد الشعبي، الذي منح الميليشيا اعترافاً رسمياً.

وأكدت المصادر إن قسماً كبيراً من هذه الأموال يذهب إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي يؤمّن وصول المخدرات إلى الحدود العراقية، لتتولى الميليشيات العراقية ما تبقى من المهمة. وبحسب الباحث في الشأن العراقي “فهران الصديد”، فإن “المخدرات تصل من إيران بسيارات تتمتع بحماية خاصة، لتستقر في مخازن شديدة الحراسة.”

غطاء رسمي لأنشطة مشبوهة

لكن كل ذلك لم يعد كافياً لإشباع رغبة الأحزاب وأذرعها المسلحة بجني المزيد من الأموال، فباتت تسعى لتعزيز وجودها في المؤسسة الاقتصادية الوطنية، من خلال توليها إدارة شركات عامة تعمل في إطار الدولة العراقية، وبمباركة حكومية. وتحقق لها ذلك عندما وافقت حكومة السوداني على تأسيس شركة عامة ترتبط بهيئة الحشد الشعبي، وتحمل اسم نائب رئيسها “أبو مهدي المهندس”، ألذي قتل بغارة جوية أمريكية مع  قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني” مطلع عام 2020.

وتوفر الشركة، ألتي تأسست استناداً لقانون الشركات العامة، صفة رسمية لأنشطة الحشد،  وترسم له مساراً تمويلياً خاصاً به. ولم تحدد حكومة السوداني، ألتي رصدت مبلغ 100 مليار دينار كرأسمال للشركة، طبيعة أعمالها وماهيّة المشاريع التي ستقوم بها بعيداً عن مهماتها القتالية، لكن مراقبين توقعوا أن يسعى الحشد لابتلاع اقتصاد العراق، وليست هذه الشركة الا وجهاً من وجوه هذا السعي. ونقلت صحيفة الإيكونوميست البريطانية عن المحامي “محمد كوبرلي” قوله، إن “المهندس” عازمة على الفوز بسلسلة من العقود الحكومية الضخمة، ما سيقتل ما تبقى من القطاع الخاص، وسط مخاوف من أن تربط هذه الشركة اقتصاد العراق بشكل أوثق بالاقتصاد الإيراني.

وتتيح الهيمنة الاقتصادية للحشد أن يكون كياناً موازياً للدولة على طريقة الحرس الإيراني، حيث سيمكنه ذلك من امتلاك مؤسسات اقتصادية مستقلة عن الدولة، بعد امتلاكه لمؤسسة أمنية لها معسكراتها وسجونها، تعمل بشكل مستقل، رغم ارتباطها الشكلي بالقائد العام للقوات المسلحة.

“المهندس” وشركة “خاتم الأنبياء”

ويعمل الحرس الإيراني على نقل تجربته إلى الميليشيات العراقية، خاصة في مجال الهيمنة على موارد الدولة، من خلال جعل شركة “المهندس” نسخة من شركاته في إيران. وسبق للحرس الإيراني أن تولى إدارة شركة “خاتم الأنبياء”، ألتي تأسست بعد انتهاء حربها على العراق (1980-1988) تحت مسمى “إعادة إعمار إيران”، حيث انتفت الحاجة لخدماته القتالية، وهو نشاط لا يُستبعد أن تضطلع شركة المهندس به.

وتخضع شركة “خاتم الأنبياء” حالياً للعقوبات الأمريكية، وبحسب مراقبين، فإن الحشد الشعبي وشركته قد يخضع لمثل هذه العقوبات، حيث سبق للخزانة الأمريكية أن عاقبت شركة “منابع ثروات الجنوب” العراقية، لقيامها بنشاط مرتبط بالحرس الإيراني. وأصدرت الخزانة الأمريكية بياناً في حزيران/يونيو 2019، اتهمت فيه الشركة بتسهيل وصول الحرس الإيراني إلى النظام المالي العراقي، لتمكينه من التهرب من عقوباتها. وجاء البيان على خلفية تهريب أسلحة قدرت بملايين الدولارات لمصلحة ميليشيات عراقية مدعومة من الحرس الايراني.

ودعت هذه المعطيات المراقبين، للإعتقاد بأن خطورة تأسيس شركة “المهندس” لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تتعداه إلى الجانب الأمني، حيث من المتوقع أن تستغل الأموال التي رصدت لها في نشاطات ترتبط بالحرس الإيراني، وبنشاطات مشبوهة أخرى، وجِهات مدرجة على لائحة العقوبات الأمريكية، مما يفتح أبواباً جديدة للتوتر في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى