تقارير

الفساد المسلح: مكاتب المليشيات تهيمن على مشاريع إعمار الموصل


منذ الإعلان عن استعادة مدينة الموصل الواقعة على بعد 550 كيلومتراً، شمالي العراق من قبضة تنظيم “داعش”، في يوليو/تموز عام 2017، تهيمن الفصائل المسلحة المنضوية في “الحشد الشعبي” على المشهد العام في المدينة، أمنياً وسياسياً واجتماعياً… وأخيراً اقتصادياً، عبر ما بات يعرف بـ”المكاتب الاقتصادية”، التي تتبع ما لا يقل عن 12 فصيلاً مسلحاً وحزباً سياسياً.

وتنشط هذه المكاتب في مشاريع عقود ومناقصات تحصل عليها بسبب نفوذها وتمنحها لجهات أخرى لقاء عمولات مسبقة، وتفرض ما يشبه الإتاوات على مكاتب وشركات وتجار، فضلاً عن تدخلها بشؤون الدوائر، والمؤسسات الحكومية، والخاصة بالمدينة وضواحيها.

ورغم عدة تعهدات لرؤساء حكومة سابقين، أبرزهم عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، بإغلاق أنشطة الفصائل المسلحة ضمن “المكاتب الاقتصادية”، فإنّ أيّاً من تلك التعهدات لم يتحقق. وتتخذ تلك المكاتب مقار لها من منازل ومبانٍ تعتبرها الفصائل المسلحة محجوزة بتهمة تورط أصحابها مع تنظيم “داعش”، بوصفهم مطلوبين.

ومن أبرز القطاعات التي تنشط بها تلك الفصائل الإسكان والإعمار والبنى التحتية، وكذلك التجارة والاستيراد وصولا إلى محطات الوقود ومشاريع الدواجن وتجارة المواد الغذائية، وتدر عليها أرباح شهرية تقدر بملايين الدولارات تذهب لتلك الفصائل، وسط استمرار حالات الابتزاز لتجار وميسورين ما دفع كثير منهم إلى مغادرة المدينة وإنهاء أعمالهم فيها.

وتحدث مسؤول محلي في الموصل، عن الوضع القائم قائلا إنّ “أبرز الفصائل المسلحة التي تهيمن على المشهد الاقتصادي في المدينة، هي عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله ولواء 30 المعروف أيضا باسم حشد الشبك، وكذلك مليشيا بابليون، إضافة إلى حشود محلية وعشائرية تتدخل في الشأن الاقتصادي لكن بشكل قليل مقارنة بالحشود الكبيرة.

وأكد المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أنّ ديوان المحافظة واقع تحت ضغط سمسرة تلك الفصائل وهناك عقود ومشاريع أحيلت لشركات سيئة، بسبب تلك المكاتب الاقتصادية التي أصبحت مقرات لتوزيع المشاريع والمقاولات وتقطيع الأراضي وبيعها خلافاً للقانون.

وتتوزع أبرز مكاتب المليشيات الاقتصادية تلك في مناطق الموصل الرئيسة مثل أحياء 17 تموز، والشفاء، والرشيدية، والمالية، والوحدة، ومنطقة وادي حجر، كما تنتشر العديد من المكاتب للفصائل في مناطق برطلة وبعشيقة وقضاء تلكيف في سهل نينوى الخاضعة لسلطة مليشيات حشد الشبك وبابليون.

ويعزو المسؤول نفسه تقدم محافظة الأنبار في مجال الإعمار وعودة انتعاش الاقتصاد فيها على عكس الموصل، بهيمنة المليشيات على المشهد الاقتصادي العام في نينوى عموما والموصل على وجهة التحديد.

النائب في البرلمان العراقي عن محافظة نينوى ماجد شنكالي أقر بأنّ “مشكلة المكاتب الاقتصادية تتفاقم في المحافظة”. وقال لـ”العربي الجديد”، إن “الحديث عن غلق المكاتب الاقتصادية للفصائل والأحزاب لا يمت للواقع بصلة. ما زالت تمارس أنشطتها في المحافظة وعلى مختلف الصعد، بشكل مباشر وغير مباشر”.

وتابع أنّ “المكاتب أو الأذرع الاقتصادية للأحزاب والفصائل المسلحة وشخصيات متنفذة تواصل أعمالها في الموصل عبر وسطاء محليين وشركات” مبيناً أنّ إحالة المشاريع الكبيرة بتدخل تلك الجهات يكون مقابل نسب مالية تصل لـ 15% من قيمة المشروع.

وأضاف أنّ “إدارة نينوى غير مسيطرة على هذا الملف فضلا عن وقوعها تحت ضغوط كبيرة تمارسها الجهات المتنفذة التي تمتلك المال السياسي والذي من خلاله تمارس التأثير الكبير على الجماهير لأغراض سياسية”.

ولم تقتصر أنشطة المكاتب الاقتصادية على الفصائل المسلحة، بل أصبحت للأحزاب السياسية المتنفذة في نينوى مكاتب وهيئات اقتصادية تعمل بشكل غير معلن في الاستيلاء على المشاريع الكبيرة.
الباحث والمختص بشؤون محافظة نينوى، محمود جمعة، قال لـ”العربي الجديد” إنّ “أنشطة المكاتب التابعة للأحزاب تزايدت أيضا في المشهد الاقتصادي والتجاري في نينوى حيث تتقاسم المشاريع”.

وأضاف جمعة أنّ “الفصائل المسلحة كانت في السنوات الثلاث الأولى عقب التحرير تستولي وتستحوذ على الأموال من خلال الجباية من القطاع الخاص وحتى الحكومي ومن خلال الهيمنة على بيع السكراب ومخلفات الحرب إلى إقليم كردستان وتجارة العقارات، لكنّها في العامين الماضيين عمدت إلى تحويل أنشطتها إلى شكل رسمي عبر الدخول بشركات ومستثمرين، ومثال ذلك سيطرة مليشيا عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله على سوق المواشي ومقالع استخراج الحصى والرمل وغيرها من المشاريع بأسماء تتوارى خلفها”.

الباحث في الشأن العراقي غانم العابد، دعا حكومة محمد شياع السوداني إلى دعم الحكومات المحلية التي تتعرض لضغوط الهيئات الاقتصادية والمسؤولين المتنفذين، محذرا من تداعيات القرار الأخير بشأن حصر تقييم الحكومات المحلية بيد النواب.

وقال العابد، إنّ “السلطات الحكومية حاولت في فترات سابقة إغلاق المكاتب الاقتصادية، لكنها لم تنجح في ذلك، وفضلاً عن ذلك أضيف لها مكاتب جديدة تابعة للأحزاب والسياسيين المتنفذين وبعض النواب”. حذر العابد من استمرار توظيف موارد نينوى الاقتصادية لصالح الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية، ولا سيما أنّ المكاتب الاقتصادية التي تم الكشف عنها بلغ عددها 60 مكتباً.

وأقر محافظ نينوى نجم الجبوري مؤخراً بوجود نسب وعمولات تفرض على المشاريع في المحافظة. وقال إنّ جهات تأخذ عمولات وصلت إلى 10% من الشركات التي تحال إليها المشاريع، من دون تسمية تلك الجهات. ولا تقتصر أعمال المكاتب الاقتصادية للأحزاب والفصائل داخل مدينة الموصل، بل تنشط أيضاً في المناطق البعيدة عن المركز والخاضعة لسيطرة المليشيات.

يقول أحد المتصدرين لملفات الفساد المالي بمحافظة نينوى، الناشط زياد السنجري، إنّ “سلطة الفصائل المسلحة أصبحت أقوى من سلطة الدولة ولا توجد سلطة تستطيع إغلاق المكاتب الاقتصادية المنتشرة في نينوى، بل هناك مناطق لا يمكن الدخول إليها من دون موافقة المليشيات مثل مدينة سنجار وسهل نينوى وتلعفر”.

وأشار السنجري، إلى أن جميع المشاريع التي تحال ضمن تلك المناطق تخضع لفرض عمولات ونسب أو تحال إلى جهات قريبة من الحشود، وإلا فإنها لن تنفذ.

وأوضح السنجري أنّ أهم الملفات التي تشهد تدخلات الفصائل المسلحة في الوقت الحالي، هي المزايدات والمناقصات التي تعلن عنها محافظة نينوى، وآخرها مشروع شبكة تصريف مياه المجاري الثقيلة في الموصل الذي أحيل بـ 600 مليار دينار، إضافة إلى مشروع فرض عدادات المياه على جميع دور السكن في مدينة الموصل وغيرها من المشاريع الكبيرة.

 

 

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى