تقارير

تبييض أموال الفاسدين يلهب سوق العقارات في بغداد

بالتزامن مع فضائح الفساد المالي الكبيرة، وفي مقدمتها ما صار يعرف ب”سرقة القرن”، وانهيار العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، شهد سوق العقارات والأراضي السكنية ارتفاعاً غير مسبوق، وتحولت البساتين المحيطة ببغداد إلى مساحات قاحلة بعد تجريفها، تمهيداً لتقطيعها وبيعها، حيث لم يعد بإمكان الموظف البسيط والعامل أن يشتري بيتاً صغيراً.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن أصحاب محلات بيع العقارات في بغداد قولهم، أن سوق العقارات بدأ بالارتفاع دون توقف، فالمناطق التي كان سعر المتر المربع يتراوح فيها بين 1200 و1700 دولار، إرتفع إلى ما بين 3000 و 5000 دولار.

وكان رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” قد اعترف ضمن حديثه عن سرقة أموال الضرائب، بأن قسماً كبيراً منها استخدم لشراء العقارات في المناطق الراقية من بغداد.

وفي تقرير نشره مركز The Century Foundation”” للأبحاث، ألمح الباحث العراقي “سجاد جياد” إلى أنّ “أكثر من مليار دولار من أموال الضرائب المسروقة البالغة 2.5 مليار، استثمرت في 55 عقاراً في بغداد، ومليار دولار أخرى وزعت بين ممتلكات وأراضٍ وأصول أخرى”.

 

تبييض الأموال

وتعرِّف المواقع المتخصصة عملية تبييض الأموال، بأنها “جريمة اقتصادية  تهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على أموال محرمة، لغرض حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها  أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو تحويلها أو نقلها أو التلاعب في قيمتها إذا كانت متحصلة من جرائم”. وانتشرت ظاهرة غسيل الأموال في العراق بعد الاحتلال، وتوزعت أنشطتها على سرقة المال العام والمصارف، وتجارة المخدرات والإتجار بالبشر والآثار، وتهريب النفط ومشتقاته، وتهريب المكائن والآلات والمعدات والمصانع إلى الخارج، وغيرها من الأنشطة المحرمة.
وربط  محللون اقتصاديون بين ارتفاع أسعار العقارات وبين تضخم هذه الأنشطة، التي يضطلع بها سياسيون ومسؤولون سابقون وحاليون وزعماء ميليشيات، حيث يتم تحويل أموال النفط المسروق والمخدرات وغيرها من أوجه الفساد، إلى عقارات في بغداد والمحافظات. وفيما يتعلق بسوق العقارات، يرى المحلّل الاقتصادي “علي الراوي” أن المشكلة تكمن بكون التعامل يجري نقداً، مما يسهل عملية تحويل الأموال إلى عقارات، الأمر الذي يرفع من السيولة في السوق، وبالتالي ترتفع الأسعار. ويوضح الراوي أن العملية تجرى بعقود بيع وشراء رسمية وبيانات، بحيث يبدو الموضوع رسمياً، مما يسهل عملية تبييض الأموال إلى حد بعيد.

 

الضغط السكاني

وإلى جانب تبييض الأموال، تبرز مشكلة الضغط الكبير على مراكز المدن وخاصة بغداد، نتيجة غياب التخطيط السكاني، ونتيجة لعمليات التهجير التي تقودها ميليشيات متنفذة في حزام بغداد، وفي المحافظات التي شهدت معارك مع تنظيم الدولة “داعش”، وكذلك لحملات الهجرة من القرى والأرياف والأهوار جنوب العراق بسبب شحة المياه، الناجمة عن إقامة ايران للسدود وتحويل مجرى الأنهار والجداول إلى الداخل الإيراني. وتحتل بغداد اليوم المرتبة الرابعة بين أكثر المدن كثافة سكانية على مستوى العالم، حيث تجاوز عدد سكانها 9 ملايين نسمة، ويُتوقع أن يرتفع الرقم نهاية عام 2025 إلى 13 مليون نسمة. وجاء في بيان للجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط ، أن “9 ملايين شخص يعيشون ضمن مساحة 4555 كيلومتر مربع في بغداد، بكثافة سكانية تبلغ 1977.2 فرداً في الكيلومتر المربع الواحد”.

 

يتم تحويل أموال النفط المسروق والمخدرات وغيرها من أوجه الفساد، إلى عقارات في بغداد والمحافظات.

على صعيد متصل، ونتيجة للكثافة السكانية المرتفعة، وارتفاع أسعار العقارات، تكاثرت العشوائيات داخل الأحياء السكنية، كما نشأت أحياء كاملة من العشوائيات في أطراف المدن. ويرى المسؤول في دائرة أمانة بغداد، “ياسر حالوب الموسوي” في حديث صحفي، أن أسباب الارتفاع الكبير بعدد سكان العاصمة “غير مرتبطة بأهالي بغداد وتكاثرهم، بل بالهجرة من باقي المحافظات إليها،” وعزا ذلك إلى المشاكل الأمنية والإجتماعية والبيئية في مناطقهم.

 

تجريف البساتين

ونتيجة لارتفاع أسعار العقارات، بدأ الاتجاه لتجريف البساتين في العديد من المناطق المحيطة ببغداد، لتحويلها إلى وحدات سكنية. وتحولت بساتين الدورة جنوب بغداد إلى مساحات جرداء بعد أن كانت تشكل مع مناطق أخرى غابة من البساتين المثمرة، وحزاماً أخضر يحيط بالعاصمة. ويتغاضى المسؤولون عن انعكاسات تجريف البساتين السلبية على البيئة، عندما يتعلق الأمر بمتنفذين يسعون لتبييض أموالهم، حيث يطغى عامل المحسوبية والمصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العامة. وعبر مواطنون من سكنة هذه المناطق عن استيائهم من تجاهل الحكومات المتعاقبة لهذه القضية الخطيرة، وقال “علي سعيد” لصحيفة ألكترونية أجرت تحقيقاً حول الموضوع، إن “هناك تغييراً كبيراً في جغرافية المنطقة، حيث أن المناطق الخضراء (البساتين)، بدأت تختفي وتتحول يوماً بعد آخر إلى قِطَعٍ تباع من أجل السكن”. وعبر سعيد عن قناعته بأن “هناك أياد خفية تدير عملية تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية”. وقال مواطن آخر عرف نفسه ب”أبو مريم”، إنّ “عمليات بيع الأراضي الزراعية تتم تحت أنظار الحكومة، إلا أنها لا تحرك ساكناً”، مضيفاً أنّ “الكهرباء والماء والمجاري الموجودة في هذه المناطق ترتبط بشكل غير قانوني بالمناطق السكنية، مما سبب زخماً على هذه الشبكات”.

وأفاد مواطنون آخرون تحدثوا إلى الصحيفة، بأن غض النظر من قبل السلطات عن هذه  الظاهرة رغم مخاطرها البيئية، يؤكد تورط  جهات سياسية لا يهمها المصير المؤسف الذي ستؤول اليه العاصمة، اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى