إقتصادتقارير

تهريب العملة يطيح بالدينار لينقذ إيران من العقوبات

لم يكن سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي قد اجتاز حاجز 1182 ديناراً، عندما خفضت حكومة رئيس الوزراء السابق “مصطفى الكاظمي” قيمته إلى 1470 ديناراً لكل دولار أواخر عام 2020، في محاولة لتجاوز الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي أثار مخاوف حينها من أن هذا التراجع قد يؤدي إلى تعويم كاملِ العملة المحلية.

وتعويم العملة هو ” أحدى الآليات التي تلجأ إليها الدول في جعل سعر صرف العملة محرراً بشكل كامل، بحيث لا تتدخل الحكومة أو المصرف المركزي في تحديده بشكل مباشر، وإنما يتم إفرازه تلقائياً في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب، التي تسمح بتحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية”، وفق تعريف الباحثة “شذى خليل” .

أليوم وبعد سنتين على قرار الكاظمي، واصل الدينار العراقي هبوطه ليتجاوز سعر الصرف 1600 دينار لكل دولار، وهو تطور دفع اقتصاديين لتأكيد حقيقة أن الحلول التي تلجأ اليها حكومات الاحتلال هي حلول وقتية لتمشية ظرف معين، فمن خلال هذا الاجراء تمكن الكاظمي من توفير رواتب الموظفين، لكن القرار أدى من ناحية أخرى إلى ارتفاع مستوى التضخم بسبب انعكاس فروقات أسعار الصرف وتكاليف الواردات على المستهلك.

ومع ذلك يرى خبراء الاقتصاد أن هذه الاشكالات قد تحدث في أي بلد، ويمكن تجاوزها اذا تم التعامل معها بعلمية، ما لم تكن هناك تداخلات خارجية قد تؤثر سلباً على اقتصاد البلاد.

أواني إيران المستطرقة

ورصدت مراكز اقتصادية تزامُن انهيار عملات كل من إيران والعراق وسوريا ولبنان في آن واحد، مما يعني أن إيران التي تسيطر بشكل ملحوظ على سياسات هذه الدول واقتصاداتها، لا تريد أن تغرق لوحدها في بحر العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وتكاليف حروبها الطائفية في العراق وسوريا وغيرها، وكلما تناقص رصيدها من العملة الصعبة، ضخت اليها آلة الفساد العراقية مليارات جديدة لتمنعها من الغرق، ولتقف عملتا البلدين على مستوى واحد، كما يحدث في الأواني المستطرقة.

ونسب الباحث في الشؤون الاقتصادية “عبد الكريم الحميري” علاقة تراجع الدينار العراقي بما يحدث في هذه الدول، إلى أن  “إيران وسوريا بالدرجة الأساس ثم لبنان يعتمدون على الدولار المهرب من العراق”، معتبراً ان “العراق يعد بمثابة الرئة التي تتنفس منها سوريا وإيران في ظل العقوبات الأميركية المشددة عليهما، إضافة إلى أن حزب الله اللبناني لديه مصالح في العراق ومتعاونون من المليشيات الشيعية الموالية لإيران، وهي من تهرب إليه الدولار، حيث يخضع هو الآخر للعقوبات الأمريكية”.

وعن موقف الولايات المتحدة من كل ذلك، أكد الحميري إنها “تعلم بعمليات تهريب الدولار من العراق إلى هذه البلدان، لكنها أرادت أن تضع حداً لهذا ربما لأهداف سياسية، وذلك عبر وضع منصة إلكترونية يمر من خلالها كل سنت خارج من العراق، ولا بد أن يكون بوثائق استيراد حقيقية، وذلك بعد بيع البنك المركزي العراقي الدولار للمصارف وشركات الصرافة المحلية”.

 

واشنطن تراقب بغداد

على صعيد متصل، قال النائب “مثنى أمين” إن الولايات المتحدة الأمريكية، طالبت المصرف المركزي العراقي بفرض عقوبات على مصارف عراقية تتعامل مع إيران، إثر تأكيد خروج مبالغ كبيرة من العراق إلى إيران.

ونقل موقع إيراني معارض عن أمين قوله، إنه “مع تهريب الدولار إلى إيران، حذرت أميركا بغداد من اتفاق بقيمة أربعة مليارات دولار بين البلدين”، مضيفاً أنه وبالإضافة إلى إيران، فقد اُرسلت مبالغ كبيرة من الدولارات من العراق إلى سوريا ولبنان، كما أرسل العراق في عام 2022 نفطاً بقيمة نصف مليون دولار إلى لبنان مجاناً.”

وبحسب مستشار البنك المركزي العراقي “إحسان شمران الياسري”، فإن البنك الفيدرالي الأميركي وضع شروطاً مشددة في الآونة الأخيرة، تلزم الجانب العراقي “بعرض قوائم بالدولار المباع، تتضمن أسماء الأشخاص والجهات المستفيدة، ويتم الانتظار 15 يوماً لبيان موقفه من سلامة عملية الشراء للطرف مقدم الطلب، وتتوقف عملية البيع إذا اعترض البنك الفيدرالي على أحد الأسماء”.

ويُتوقع أن يضيف الفيدرالي الأميركي 3 جهات رقابية على عمليات بيع الدولار للتدقيق حول وجهته بعد البيع بحسب الياسري، ألذي يرى أن البنك المركزي لا يستطيع توفير الدولار لجميع من يطلبونه بسبب هذه الشروط. ويتشدد الجانب الأمريكي بعمليات التدقيق، لمنع وصول هذه الأموال لجهات وأشخاص تضعها الولايات المتحدة على قوائم الارهاب الدولي.

 

دعم التنمية أم هدمها؟

ويُرجع الخبير الاقتصادي “عبدالرحمن المشهداني” بعض أسباب النقص الحاصل بالعملة الأجنبية، إلى “استبعاد ومعاقبة أربعة مصارف كانت تستحوذ على حوالي 40% من مبيعات نافذة مزاد العملات”، مضيفاً أن “هذا ما تسبب بنقص في العملة الأجنبية لبعض المتعاملين المعتمدين على هذه المصارف، مما دفع بهؤلاء إلى الاعتماد على السوق الموازية”، لكنه استدرك قائلاً أن هذا “لا يعني وجود شح بالدولار لدى المركزي العراقي، والذي تتجاوز احتياطاته من هذه العملة 90 مليار دولار”.

واستنتجت مصادر صحفية من كل ذلك، أن الغاية من تأسيس المصارف الأهلية في العراق لم تتحقق كما ينبغي، فمن المفترض أن يكون تأسيسها داعماً للتنمية الاقتصادية وليس لهدمها.

وسمحت حكومات الاحتلال لجهات متنفذة وزعماء ميليشيات بتأسيس عدد من المصارف الأهلية، كما افتتح حزب الله اللبناني فروعاً في العراق لعدد من المصارف اللبنانية التي يمتلكها، لتمارس دورها في التخفيف من وطأة العقوبات الأمريكية على إيران، على حساب العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى