تقارير

سياسة إيران المائية تحرم العراق من ثلث أراضيه الزراعية

بالإضافة إلى الصراعات العديدة التي يشهدها العالم، والتي تعقدت بشكل كبير منذ بداية القرن الحالي، برزت مشكلة المياه وتناقص كمياته كواحدة من أهم المشاكل التي تهدد السكان، مثيرة صراعات بين الدول المتشاطئة في العديد من مناطق العالم. وتركزت هذه المشاكل في مناطق الشرق الأوسط أكثر من غيره، مما دفع الأمين العام السابق للأمم المتحدة “بطرس غالي” إلى القول حينها، إن “الحرب المستقبلية في الشرق الأوسط ستخاض حول المياه، وليس السياسة”.

ويبرز العراق الذي اشتهر ببلاد الرافدين، وأرض السواد لكثرة المساحات الخضراء فيه، كواحد من أكثر البلدان التي تهددت بيئتها وواقعها الزراعي والمناخي والصحي، بعد أن فقد الكثير من مصادر المياه لديه، وتبعاً لذلك الكثير من مساحاته الخضراء، بسبب عوامل كثيرة بعضها داخلي، مثل الاعتماد على طرق الري القديمة وعدم الاهتمام بتطوير السدود، ومنها ما يرتبط بالعوامل الطبيعية والتغيير المناخي، لكن السبب الرئيس لشح المياه يتعلق بمصادرها. وتتوزع مصادر المياه الواردة إلى العراق على كل من سوريا وتركيا وإيران، التي انتهجت منذ خمسينات القرن الماضي سياسة استحواذية بحجبها لكميات كبيرة من المياه، خلافاً للإتفاقات الدولية والثنائية المبرمة بين البلدين. واستغلت إيران بعد 2003 ضعف المفاوض العراقي، الذي لم يتمكن من إقناعها بإطلاق حصته من المياه خلال اجتماعات عقدت بين الطرفين في أوقات متباعدة. ويدلي مسؤولون عراقيون بين فترة وأخرى بتصريحات حول تدويل القضية، انطلاقاً من حقوق العراق التي تقرها القوانين الدولية، لكن مراقبين يرون أن هذه التصريحات لا تعدو كونها تخديراً للشارع العراقي الغاضب.

 

خلال سنوات من أزمة لا يبدو أن لدى السلطات خططاً للحد منها

ألأسباب الداخلية

وتشير التقارير إلى أن فشل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 في إدارة ملف المياه سبب تراجعاً كبيراً في كميات المياه المتاحة، حيث تفتقد شبكات المياه القديمة للإدامة والتجديد، فيما لم تشهد السدود أي تحديث يذكر. وتتحمل حكومتا بغداد وأربيل مسؤولية إهمال السدود، حيث أصبح نهر ديالى مهدداً بالجفاف التام بسبب توقف العمل في سد (باوه نور) على نهر ديالى منذ 6 سنوات، كما أن سد (كلار بردسور) لم يبدأ العمل به رغم استكمال المخططات والدراسات وإحالتها إلى وزارة الموارد المائية، وفق ما أفاد به “مؤيد احمد” مدير الموارد المائية في كرميان، التابعة للإقليم.

من جهة أخرى ساهم التغير المناخي بتناقص كميات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، التي أدى التبخر الناجم عنها لفقدان 8 مليارات متر مكعب من المياه كل عام. وجاء في تقرير حديث للبنك الدولي، أن العراق قد يفقد 20% من المياه بحلول عام 2025، إذا بقيت ظاهرة التغير المناخي، مما يحرم ثلث الأراضي المروية في الوقت الحاضر، وسيتراجع الناتج المحلي بنسبة 4%، مع ارتفاع عدد السكان إلى 40 مليون نسمة، بحسب التقرير.

وخلال سنوات من أزمة لا يبدو أن لدى السلطات خططاً للحد منها، بلغ عدد النازحين بسببها 7 ملايين إنسان، كانت الزراعة المصدر الوحيد لدخلهم، مما يعني حرمان 12% من السكان من العمل في المجال الوحيد الذي يجيدونه، وقد توارثوه عن آبائهم وأجدادهم.

وكانت وزارة البيئة قد أعلنت أن العراق احتل المرتبة الخامسة على مستوى العالم بتأثيرات المناخ المسببة للجفاف. وتوقع مؤشر الإجهاد المائي أن تصبح بلاد الرافدين أرضاً بلا أنهار إذا بقي الوضع على ماهو عليه حتى عام 2025، حيث لن يتمكن الرافدان في ذلك التاريخ من الوصول إلى مصبهما في شط العرب ومنه إلى الخليج العربي. وجاء في دراسة للمؤشر، أن الجفاف الشديد سيعم أنحاء البلاد مع نضوب نهر الفرات بشكل شبه كلي، وتحول دجلة إلى مجرى مائي محدود الموارد.

خطط إيران

وتعمل إيران على تعويض خسائرها جراء العقوبات الدولية التي تتعرض لها بمضاعفة إنتاجها الزراعي، خاصة في المحافظات المتاخمة للحدود العراقية، للإستفادة من المياه بدل تركها تتدفق إلى بلد المصب (العراق)، ثم إعادة تصدير منتوجها الزراعي إليه بعد أن تسببت بتراجع زراعته، عندما حولت مجاري الأنهار لهذه الغاية، والتي قدرت المراكز المتخصصة كمياتها بأكثر من 10 مليارات متر مكعب.

واستغل النظام الإيراني تبعية الأحزاب الحاكمة في العراق له لتنفيذ سياساته المائية، والمتمثلة بالعديد من الإجراءات، منها بناء السدود التي أنشأت منها 600 سد خلال 30 سنة، استغلتها لتغذية المشاريع الزراعية والكهرومائية. ومن بين السدود التي حجبت المياه عن العراق، ما أنشئ على نهر الكرخة والوند والزاب الصغير وسيروان وكارون.

 ومن هذه الاجراءات أيضاً تحويل مجاري الأنهار بشكل كامل إلى داخل الأراضي الإيرانية وحفر الأنفاق المائية، حيث أثر النفق المائي “نوسود” الذي حفرته في منطقة هورامان بشكل كبيرعلى مناطق عديدة في السليمانية وديالى وحلبجة، التي فقدت لوحدها (3200) هكتار من الأراضي الزراعية، وكذلك مناطق سيد صادق ودربنديخان، وقد تتسبب هذه الإجراءات أيضاً بحرمان المناطق الشمالية من البلاد من كامل احتياجاتها من مياه الشرب. وتقوم ايران ايضا بنقل المياه من الأقاليم الغربية المتاخمة للحدود العراقية إلى المحافظات الوسطى والشرقية، لتعزيز مشاريعها هناك.

نتائج سياسة إيران المائية

ومن عواقب استمرار إيران بسياساتها المائية أمام الموقف المهادن للساسة العراقيين تجاه هذا الملف، تراجع إنتاج الطاقة الكهربائية، وإرتفاع منسوب الملوحة وتلوث مياه الشرب، ألذي كان نصيب البصرة لوحدها منه 10 آلاف حالة تسمم عام 2018. وسجلت المحافظة في ذلك العام تلوثاً جرثومياً بنسبة 50% وتلوثاً كيميائياً بنسبة 100% في مياهها، وأدت هذه العوامل إلى انخفاض كبير في إنتاج الثروة السمكية والحيوانية، حيث نفقت أعداد كبيرة من الماشية والأسماك، قالت منظمة الصحة العالمية إنها بسبب تلوث المياه بنسبة كبيرة من المعادن الثقيلة والأمونيا والبكتيريا القولونية. وبحسب تقارير رسمية، فإن التلوث تسبب بأضرار كبيرة للأراضي الزراعية، حيث تقلصت المساحة المزروعة من 24 مليون دونم إلى 6 ملايين. أما برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فقد أكد عام 2018، إن العراق يفقد نحو 25000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سنوياً، مما أدى إلى حدوث موجات نزوح جماعية من الأراضي الزراعية إلى مراكز المدن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى