قسم التقارير - الموصل
مركز مدينة الموصل "المدينة القديمة"، قد يخيل للمتوجه الى تلك البقعة من الارض التي لا تتجاوز مساحتها اربعة كيلومترات مربعة أن المنطقة بدأت تستعيد ولو جزء يسير من سابق عهدها وهذا بالفعل ما يحدث، ولكن عند التوجه الى عمق المدينة القديمة، تشاهد ما لم يكن يخطر على بال أحد، فالركام في كل مكان،وآلاف البيوت المهدمة ما زالت تنتظر من يعمرها، ورائحة الجثث المتفسخة ما زال المارة يشمونها وتزكم أنوفهم بعد أكثر من عام على استعادة القوات الحكومية السيطرة على المدينة.
البدء بإعمار المدينة القديمة لم يكن نتيجة الدور الحكومي الذي طالما أعلنت الحكومتان المحلية والمركزية على العزم ببدء إعمارها، بل كان نتيجة عشرات الحملات التطوعية التي بدأت تتوجه الى المدينة القديمة منذ أشهر في سعي منها لإعادة الحياة الى قلب الموصل الذي كان نابضا في الحياة قبل عامين، منظمات محلية وحملات تطوعية شبابية من شباب الموصل كان لهم السبق في التوجه الى هذه المنطقة واعمار ما يمكن اعماره.
عشرات الحملات التطوعية تعمل في الموصل القديمة
قد يكون من الصعوبة بمكان تعداد المنظمات التي توجهت الى المدينة القديمة والعمل فيها بعد استعادة المنطقة وتأمينها، ومن هذه الحملات التطوعية التي تعمل في المدينة القديمة، حملة "نينوى أولا" وحملة "خلوها أجمل" و"ناس الموصل" و"روح موصلية" و"خلية شباب نينوى" و"عطاء نينوى" و"نحو موصل أحلى" وغيرها الكثير، جميع تلك الحملات التطوعية يعمل فيها شباب يافعين لا تتجاوز اعمارهم الثلاثين عاما، يعملون بشكل تطوعي مجاني من خلال جمع التبرعات من الميسورين من أهل الموصل.
"ويتنوع عمل الحملات التطوعية ما بين اعادة اعمار البيوت في المدينة القديمة الى فتح ابواب رزق للعوائل"
يقول الشاب "احمد حميد" في حديثه لوكالة "يقين" والذي يعمل ضمن حملة "خلوها أجمل": "بدأت الفكرة لدينا عندما استطعنا دخول المدينة القديمة لأول مرة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وعندها فوجئنا بكم الركام والدمار الذي شهدته المنطقة والتي كانت في يوم من الايام قلب الموصل النابض بالحياة".

ويضيف حميد أن "مشروعهم بدأ بمفاتحة بعض التجار الميسورين لدعم بعض العوائل التي نزحت من الموصل القديمة بعد دمار بيوتها، وتطور العمل بعدئذ الى إعادة ترميم بعض البيوت المدمرة جزئيا ثم فتح محلات بسيطة للعوائل من سكنة القديمة في سبيل اعانتهم على استعادة حياتهم الطبيعية".
ويتنوع عمل الحملات التطوعية ما بين اعادة اعمار البيوت في المدينة القديمة الى فتح ابواب رزق للعوائل العائدة الى بيوتها وصولا الى تشجير الساحات في القديمة بالأشجار والزهور امتدادا الى اعمار بعض المدارس في الموصل القديمة لاستقبال الطلاب فيها.
ويقول "زيد خالد" أحد المتطوعين ضمن حملة "نينوى أولا" أنهم "استطاعوا خلال عملهم لأكثر من عام مضى في المدينة القديمة من اعمار أكثر من عشرين بيتا في القديمة، اضافة الى زرع أكثر من ألفي شتلة في الموصل القديمة وخارجها، فضلا عن فتح أبواب رزق لأكثر من خمسين عائلة عادت الى بيوتها في الموصل القديمة وذلك من خلال اعادة اعمار بعض المحلات الصغيرة أو تزويد الشباب بعربات للعمل كباعة متجولين".
ويضيف خالد في حديثه لوكالة "يقين" أن "عملهم مستمر لكنهم يعانون من قلة المساعدات المقدمة اليهم، فالدمار كبير ويحتاج الى جهد حكومي ودولي".
تقصير حكومي في دعم المدينة القديمة
يشكو سكان المنطقة القديمة من أنهم لم يتلقوا أي دعم يذكر في سبيل عودتهم الى حياتهم الطبيعية في الموصل القديمة، يقول "سمير علي" وهو أحد سكان الموصل القديمة من منطقة "الشهوان" في الموصل القديمة، وهي منطقة مطلة على نهر دجلة، إن "جميع بيوتهم في منطقة الشهوان دمرت عن بكرة أبيها، وإنها أصبحت أثرا بعد عين".
ويضيف علي أنهم "على الرغم من أنهم قدموا طلبات كثيرة الى المحاكم المختصة لأجل حصولهم على التعويضات، إلا أنه لم يحصلوا حتى اللحظة على أي تعويض عما أصابهم"، مشيرا الى "بطء الاجراءات في المحاكم وتكدس الاف المعاملات التي تنتظر من يبت فيها".

بلدية الموصل: الحرب دمرت 30 ألف وحدة سكنية
من جانبه يقول المهندس "أحمد إبراهيم" الذي يعمل في مديرية بلدية الموصل، إن"عدد الوحدات السكنية في الموصل القيمة كان يقدر بـ70 الف وحدة سكنية، وإن الحرب أدت الى دمار أكثر من 30 الف وحدة سكنية تدميرا كاملا، بفعل الضربات الجوية للتحالف الدولي وحلفائه اضافة الى القصف المدفعي".
"الحرب أدت الى دمار أكثر من 30 الف وحدة سكنية تدميرا كاملا"
ويشير إبراهيم في حديثه لوكالة "يقين" إلى أن "أحد أهم أسباب بطء التعويضات هو فقدان العائلات لسندات ملكية بيوتهم في المعارك، وأن أهم مستمسك في معاملات التعويضات هو سند ملكية البيت، وبالتالي فالعوائل تحتاج الى استخراج سندات ملكية جديدة، وهذه الخطوة وحدها تحتاج الى إجراءات غاية في التعقيد".
وعود كثيرة أطلقتها الحكومتان المركزية والمحلية لإعادة اعمار الموصل القديمة، لكن أيا من هذه الوعود لم ير النور، حيث يقول المستشار "رعد العبيدي" الذي يعمل في استشارية محافظة نينوى لشؤون التخطيط في حديث لوكالة "يقين"، إن "ميزانية المحافظة المالية خاوية، وإن المحافظة لم تتلق أي دعم مالي من الحكومة المركزية على الرغم من الوعود المتكررة، وإنه ما لم تفي الحكومة المركزية بوعودها فإنه من الصعوبة بمكان إعادة اعمار الموصل القديمة أو حتى إزالة الانقاض منها على أقل تقدير".
من جانبه يقول المهندس "عمر عبد الكريم" الذي يعمل في قسم الاليات في بلدية الموصل في حديثه لوكالة "يقين" إن "الحرب أدت الى تدمير أكثر من 90% من الاليات التي كانت تمتلكها بدلية الموصل"، مضيفا أن "البلدية كانت تملك ما يقرب من 1210 الية متنوعة ما بين اليات ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، وإن جميعها إما دمر خلال الحرب أو سرق" ويضيف عبد الكريم أن "وزارة البلديات في الحكومة المركزية لم ترفد مديرتهم بأي اليات جديدة"، بحسبه.
![]()
الحملات التطوعية.. أمل الموصليين في عودة الحياة
قد يخيل لقارئ التقرير أن إعادة أعمار الموصل القديمة ليس بالأمر الصعب، نظرا لصغر مساحتها التي لا تتجاوز أربع كيلومترات مربعة، لكن الذي يطلع على الارقام الصادرة عن منظمات محلية ودولية سيفاجئ بحجم الانقاض المتراكمة في القديمة والتي لا تزال تنتظر من يرفعها، يقول "محمد الدولة" في حديثه لوكالة "يقين" والذي يعمل ضمن فريق الـUNDP في الموصل، إن "حجم الانقاض في الموصل يقدر بـ 27 مليون طن من الركام، وإنه لم يرفع منها حتى اللحظة سوى خمسة ملايين طن فقط، هذا الرقم كان نتيجة عمل جميع المنظمات الدولية والمحلية والحملات التطوعية الشبابية والدوائر الرسمية المحلية".
ويشهد الجميع في مدينة الموصل بجهود الحملات التطوعية الشبابية ومنهم الشرطي "علي جاسم" الذي يعمل ضمن مديرية شرطة محافظة نينوى، يقول في حديثه لوكالة "يقين": "أرى يوميا عشرات الشباب يدخلون الى الموصل القديمة ومعهم معداتهم، ويستمرون في العمل في هذه المنطقة لساعات طويلة، وهذا ديدنهم منذ اشهر".
ويضيف جاسم الذي يعمل شرطيا في تقاطع شارع النجفي إن "أكثر ما أبهره في الحملات التطوعية الشبابية هو الاصرار على العمل"، مستشهدا بشباب حملة "الدنابر" والتي عملت في القديمة لأشهر، وكان عملها يتمركز في منطقة المشاهدة، يصف جاسم عمل هؤلاء بأنهم "خلية نحل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث أنهم استخدموا العربة الالية المعروفة محليا بـ"الدنبر" ونظفوا من خلالها جميع أزقة منطقة المشاهدة في الموصل القديمة، ما ساعد كثيرا سكان تلك المنطقة وشجعهم على العودة الى منطقتهم والبدء بإعمار بيوتهم".
حملات تطوعية شبابية كان لها وما يزال الريادة في محاولة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في الموصل القديمة، وسط غياب تام للدور الحكومي الذي طالما وعد وأخلف.