تحدث الكثير من النزاعات بين الدول المتجاورة حول عائدية الأراضي الحدودية الواقعة بين بلدين، لكن ليس من المتعارف عليه دولياً، أن تكون هناك نزاعات داخل بلد واحد لديه حدود تعترف بها الأمم المتحدة، حتى مع وجود أقاليم أنشئت على أساس فدرالي، أما في عراق ما بعد الاحتلال فإن ذلك يحدث، وبرعاية الدستور.
وتوقع محللون سياسيون بعد إقرار دستور عام 2005، أن تؤجج بعض فقراته النزعة الانفصالية التي يحاول الحزبان الرئيسان في إقليم كردستان تعزيزها لدى الكرد. ومن بين الفقرات التي تنمي روح النزاع والفرقة والعداء بين أبناء البلد الواحد، تضمن الدستور مادة تحمل الرقم 140، خاصة بمناطق أطلق عليها "المتنازع عليها" بين الإقليم والمركز. وتشمل هذه المناطق أجزاء من محافظات أربيل وديالى ونينوى وصلاح الدين، فيما اكتسبت كركوك أهمية خاصة بسبب غناها بالنفط.
وعدلت حدود محافظة كركوك التي يطالب بها الإقليم، لتشمل أقضية كفري في ديالى وطوز في صلاح الدين، إضافة إلى كلار وجمجمال بمحافظة السليمانية، كما أضيفت مناطق تسيطر عليها قوات البيشمركة الكردية.
وتواجه المادة 140 اعتراضات واسعة، خاصة وأن سقفها الزمني قد انتهى في كانون الأول/ديسمبر 2007، وبات من الضروري تعديل المادة دستورياً.
أهالي كركوك يرفضون العامري
وتشتهر المحافظة بتنوعها القومي، حيث يسكنها العرب والتركمان والكرد، وأقليات أخرى. ويتهم العرب والتركمان الحزبين الكرديين بمحاولات تكريد المحافظة، من خلال تسجيل مواليد السليمانية وأربيل ومناطق كردية أخرى في كركوك لزيادة نسبة الكرد فيها، و باستقدام رعايا دول أخرى من الكرد (من سوريا وإيران) وتزويدهم بوثائق مزورة، وأن هذه الممارسات مستمرة منذ فرض منطقة حظر الطيران من قبل قوات التحالف بعد حرب الخليج الثانية، أواخر شباط/فبراير عام 1991م.
وأكدت مصادر صحفية، إن أكثر من 100 ألف قطعة سكنية وزعت على هؤلاء، حيث أنشئت أحياء كردية جديدة حول الأحياء العربية والتركمانية.
وكانت رئاسة لجنة تطبيق أحكام المادة 140، قد أُسندت لزعيم ميليشيا بدر "هادي العامري" عام 2011، خلفاً لرئيسها وزير العلوم والتكنولوجيا السابق "رائد فهمي"، لكن أهالي المحافظة من عرب وتركمان كركوك رفضوا القبول به. وكان من أسباب رفضهم للعامري، أنه لن يستطيع الاعتراض على منح الحزبين الكرديين وثائق عراقية لأكراد إيران وسوريا، لأنه هو أيضاً يقوم بدور مشابه في ديالى ومحافظات جنوبية أخرى، حيث قامت الميليشيا التابعة له بإدخال الآلاف من رعايا إيران ودول أخرى، ومنحوا وثائق عراقية على أسس طائفية.
فرض الأمر الواقع
وفي حزيران/يونيو 2014، استغلت البيشمركة انسحاب الجيش العراقي بعد نجاح تنظيم الدولة "داعش" بتحقيق تقدم في المنطقة، لتستولي على المحافظة بالكامل. وحاول رئيس الإقليم "مسعود بارزاني" بهذه الخطوة، إرغام بغداد على القبول بالأمر الواقع، حيث قال في مؤتمر صحفي يوم السابع والعشرين من ذلك الشهر، إن المادة 140 من الدستور العراقي قد "أنجزت وانتهت، ولن نتحدث عنها بعد الآن"، مضيفاً "لقد صبرنا عشر سنوات مع الحكومة الاتحادية لحل قضية المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140، لكنها كانت دون جدوى".
وتلقت الحكومات السابقة شكاوى كثيرة من العرب والتركمان، بشأن ضغوط قالوا إنها مورست ضدهم من قبل السلطات الكردية، لإجبارهم على الرحيل.
واتهم رئيس الوزراء الأسبق "حيدر العبادي" حكومة الإقليم، باستغلال مرحلة القتال التي شهدتها المنطقة في ذلك الوقت لإجراء تغيير ديموغرافي في كركوك، حسب وصف العبادي حينها.
لاحقاً شهدت المحافظة تطورات خطيرة، عندما حاصرها الجيش العراقي لإخراج البيشمركة منها، ومنع ضمها إلى محافظات الإقليم الثلاث، السليمانية وأربيل ودهوك.
صفقة برعاية إيرانية
وفي قرار مفاجئ، سلمت حكومة رئيس الوزراء "محمد السوداني" مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، مبنى قيادة العمليات في مركز المحافظة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، مما أدى إلى اندلاع تظاهرات شارك بها عرب وتركمان وأقليات أخرى من المحافظة، احتجاجاً على قرار السوداني.
وذكرت مصادر صحفية، إن القرار نُفذ عملاً بما يقتضيه دستور البلاد بشأن تسوية المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، لكن محللين سياسيين ألمحوا إلى أن القرار هو جزء من صفقة بين بغداد وأربيل برعاية إيرانية، تتضمن قيام البارزاني بطرد المعارضة الإيرانية الكردية من أربيل، مقابل مكافأته بمنحه كركوك من قبل حكومة الإطار التي نفذت لإرضاء إيران، متذرعة بالدستور.
وقطع المتظاهرون طريق كركوك-أربيل السريع، وحاولوا الوصول إلى مقر العمليات، لكن قوات السوداني واجهتهم بإطلاق النار، لتنظم مجاميع أخرى من سكان المدينة إلى المتظاهرين. وسقط عدد من الضحايا نتيجة إطلاق النار، حيث بلغ عددهم حتى الثالث من أيلول الجاري أكثر من 3 قتلى و15 مصاباً، فيما أحرق عدد من العجلات.
وحاولت المحكمة الاتحادية تهدئة الشارع بإصدار أمر قضائي، بتعليق تنفيذ قرار السوداني تسليم مقر العمليات إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، لحين البت بدعوى أقامها رئيس تحالف العروبة في المحافظة.
ومنذ رفع حظر التجول الذي أمر به السوداني "لبسط الأمن وفرض سلطة القانون"، يخيم على المحافظة هدوء وترقب مشوب بالحذر، وتنتشر في شوارع المدينة، دوريات للقوات الحكومية.