لا يجد ناشطون في المجال الإنساني، سبباً مقنعاً واحداً لنقل سجناء محافظة صلاح الدين والأنبار ونينوى إلى سجن الحوت في الناصرية، حيث يضطر ذووهم لقطع مسافات تصل إلى 800 كم بالنسبة لأهالي الموصل، من أجل قضاء ساعتين كل 4 أشهر مع أبنائهم المسجونين، رغم "وجود سجن وإصلاحية في كل شبر على طول الطريق من الموصل إلى الناصرية"، بحسب ما ذكرته إحدى الأمهات. وروت هذه السيدة مأساة ابنها ذي الثلاثين عاماً، الذي اعتقل في كانون الأول/ديسمبر2017 بالتهمة الجاهزة، وهي الانتماء إلى تنظيم الدولة "داعش"، بناء على وشاية المخبر السري، وحكم بالسجن المؤبد.
وأقسمت هذه السيدة لمراسل صحفي أجرى لقاءً معها، إن ابنها تعرض للتعذيب لإجباره على الإدلاء باعترافات كاذبة. وقالت المرأة باكية، إنه أخبرها في احدى الزيارات بأنه "أرغم على الاعتراف بالإكراه خلال مراحل التحقيق، وإنه لم يحتمل آلام الضرب المبرحة، فأقر بشيء لم يفعله وهو الانتماء لداعش، والاشتراك بعمليات مسلحة ضد القوات العراقية، خلال عمليات استعادة الموصل."
وسمحت حكومات الاحتلال منذ أيامها الأولى لذوي النوايا السيئة، بالإيقاع بآلاف الأبرياء عندما عملوا مخبرين سريين لتحقيق نواياهم، التي يتعلق بعضها بعداءات شخصية وثارات قديمة، وبعضها بدوافع طائفية.
فرصة للإثراء
وخضعت أعداد كبيرة من الأبرياء لأحكام جائرة بين عامي 2003 و2021 باعتماد القضاء شهادة المخبر السري. واضطر القضاء بعد ذلك التاريخ تحت ضغط المنظمات الإنسانية والاعتراضات الشعبية، لاعتماد المسح الميداني للتأكد من دقة معلومات المخبر السري، لكن "النظرية شيء والتطبيق شيء آخر" بحسب المحامي "ف،س"، الذي أكد لأحد المواقع الإخبارية، إن وشاية المخبر السري مازالت فاعلة، وإن جمع المعلومات بواسطة المسح الميداني عملياً لم يطبق في أغلب القضايا.
ووفرت ذريعة الانتماء لتنظيم الدولة "داعش" فرصة للقوات الأمنية لملء السجون بالأبرياء، بعد أن أصبحت السجون مصدر كسب لضباط ومنتسبي القوات الحكومية والمحققين. ونقل موقع صحفي عن مصدر أمني رفض الكشف عن اسمه قوله، إن "الكثير من المعتقلين بوشاية كيدية، لا أدلة ضدهم تثبت انتماءهم لداعش، لكنهم يُجبرون على دفع مبالغ تترواح ما بين 20 – 50 ألف دولار ليُدوّن المحقق أقوالاً تصب في صالحهم. أما الذين لا تملك عائلاتهم أموالاً كافية فيرغمون تحت التعذيب، على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها".
وأضاف المصدر إن "بعض منتسبي وضباط الدفاع والداخلية، يدفعون مبالغ كبيرة من أجل نقلهم إلى قسم التحقيق، ومنصب أدنى في تلك الأقسام قد يُباع بمبلغ 250 ألف دولار، وهو مبلغ يمكن أن يُجمع من خلال 10 ملفات تحقيق مع معتقلين بتهم الإرهاب”.
تشابه أسماء
وعندما يكون السجين مصدراً لثروة السجان، تصبح المهمة مشتركة بين المنتسب والضابط والمحقق والمخبر السري، الذين يشكلون "فريق عمل" لملء السجون، حتى لو وصل عدد السجناء إلى 60 ألف، في سجون لا تستوعب أكثر من 25 ألف سجين، وهي أرقام اعترف بها المتحدث باسم وزارة العدل العراقية "كامل أمين"، في نيسان/أبريل الماضي.
ولا يشكل المخبر السري الكابوس الوحيد للعراقيين، خاصة سكان المحافظات الست التي انتفضت فعوقبت أشد عقاب، بل أن ظاهرة غريبة أخرى في عالم التحقيقات تجلت في العراق، اسمها "الاشتباه"، أو "تشابه الأسماء". ووفقاً لأحد المحامين فإن تشابه الأسماء "لا يجوز أن يأخذ هذا الحجم، ولا أن يكون سبباً للاقتصاص من المشتبه به، حيث يمكن إثبات الهوية بأكثر من طريقة"، لكن الواقع السائد هو أن أعداداً كبيرة من الأبرياء قضوا سنوات في السجون بسبب الإجراءات البدائية المتبعة في التحقيق، والأنكى من ذلك أنهم تعرضوا للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها. وبالفعل فقد اعترف كثير منهم تحت وطأة التعذيب، ومنهم من أعدم وفقاً لاعترافه، فيما توفي عدد آخر منهم أثناء التحقيق.