ظهر نقيب الفنانين العراقيين "جبار جودي" على قناة "الحرة" الأمريكية قبل ثمانية أشهر، ليمتدح قرار وزارة الداخلية آنذاك، بتشكيل لجنة لمحاسبة مقدمي "المحتوى الهابط"، مشيداً باختيار نقابته لعضوية هذه اللجنة. وانتقد جودي "صناع المحتوى الهابط"، معبراً عن استيائه من وجود "انفلات غير مسبوق، يمس الأخلاق والآداب العامة"، معرفاً هذا النوع من النشر المصور، بأنه "كل ما يحتوي على البذاءة باللفظ أو البذاءة بالحركات، ويمس الثوابت المجتمعية والأخلاقية العامة"، مكرراً أكثر من مرة خلال اللقاء، تحذيره لكل من "يحاول أن يسيء للذوق العام، أو يسيء للمجتمع العراقي".
وأشار نقيب الفنانين لوجود تنسيق بين نقابته وبين مدير الأمن السياحي ووزير الداخلية، ومدير عام العلاقات والإعلام في الوزارة، لوقف "الفضائح التي تظهر على مواقع التواصل"، من قبل محسوبين على الفن والثقافة العراقية.
وبدا جودي محتداً وهو يؤكد أن نقابته، تريد من خلال العمل مع هذه الجهات "أن ترتقي بسرعة بالعراق، من خلال بث محتوى يعكس أهمية الفن العراقي والفنان العراقي والإعلام العراقي والمواطن العراقي."
لكن جودي وبعد ثمانية أشهر من هذه التصريحات، ظهر في ساحة الاحتفالات بين "صانعات محتوى" من نوع آخر، استقدمتهم إحدى المحسوبات على الفن والثقافة العراقية "شذى حسون"، ليكون عضواً في لجنة التحكيم الخاصة بما سمي ب"مهرجان العراق الدولي"، الذي خالف بحسب العديد من الجهات المعنية بالثقافة والفن، كل القيم والأخلاق التي سبق لنقيب الفنانين الحديث عنها.
وطالب مثقفون نقيب الفنانين العراقيين "جبار جودي"، بتقديم تفسير لقبوله بعضوية لجنة تحكيم المهرجان، إلى جانب المخرجة السينمائية المصرية "إيناس الدغيدي"، التي اشتهرت بتصريحاتها الداعمة للشذوذ والانحراف الأخلاقي، في حين ادعى هو خلال اللقاء التلفزيوني، محاربة الانحراف والمحتوى الهابط ودعاته.
وكانت الدغيدي قد دعت خلال مقابلة تلفزيونية عام 2008، إلى السماح بترخيص البغاء في مصر "بدلاً من ممارسته في الخفاء"، إضافة للعديد من الأفكار الشاذة التي تتنافى مع الثوابت الأخلاقية العامة والثوابت المجتمعية، التي تحدث عنها جودي.
ورغم أن المهرجان أقيم في ساحة الاحتفالات داخل المنطقة الخضراء الحكومية، وحضرته شخصيات معروفة، إلا أن جهات رسمية عديدة نأت بنفسها عنه بعد الضجة التي خلفها. وبهذا الخصوص نقلت مواقع صحفية عن المستشار السياسي لرئيس الوزراء "سبهان ملا جياد" قوله، إن "الحكومة العراقية ليس لها أي علاقة بإقامة مهرجان العراق الدولي، والجهة القائمة على تنظيمه هي الفنانة "شذى حسون"، وبدعم مالي من شركات مختلفة"، مضيفاً أن المهرجان "جرى استغلاله من بعض الأشخاص والجهات، لاستهداف الحكومة الحالية سياسياً، ومحاولة التأثير على أدائها وإنجازاتها بهكذا ضجة" حسب تعبيره.
بدوره دافع مستشار رئيس الوزراء للشؤون الثقافية "عارف الساعدي" عن موقف حكومته من تلك المظاهر بقوله، "هل دورنا أن نفتش النساء في بوابة الحفل؟ أو ننشر وصايا للبس والأزياء؟ لو فعلنا مثل هذا الأمر لشُتمنا أكثر وأكثر، ولو منعنا المهرجان من الأساس لقيل أن بغداد أصبحت قندهار".
ونفي المستشار في توضيح أصدره، أن تكون الغاية من المهرجان الاحتفال باليوم الوطني، بل لتكريم فنانين وفنانات، رغم أن حكومة الكاظمي اعتمدت الثالث من تشرين الأول/أكتوبر وهو يوم إقامة المهرجان يوماً وطنياً، حيث دخل العراق عصبة الأمم في مثل هذا اليوم من عام 1932، بعد استقلاله عن الانتداب البريطاني. وعزت مصادر صحفية عدم اتفاق الأحزاب الحاكمة على يوم وطني إلى رغبة بعضها اعتبار يوم احتلال بلادهم في التاسع من نيسان عيداً وطنياً، وهي سابقة لم تشهدها أي دولة في العالم.
وأبدت العديد من المنظمات والمراكز الصحفية شجبها لمظاهر الابتذال التي بدا عليها المهرجان، ولإساءته البالغة للنشيد الوطني العراقي وكلماته خلال الفعاليات. وطالب "مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية"، بإجراء "تحقيق بكافة المعلومات والأنباء التي تحدثت عن إنفاق مبالغ مالية كبيرة على هذا الحدث، الذي أثار استهجان الأوسط الشعبية والفنانين والمثقفين والإعلاميين".
وعبر مواطنون عن دهشتهم لمنح الموافقة لإقامة مهرجانات لأي سبب كان، في وقت ما زال العراقيون يعيشون أحزان فاجعة الحمدانية، حيث احترقت قبل المهرجان بأيام قاعة أعراس شرق مدينة الموصل خلال حفل زفاف، لتودي بحياة 119 شخصاً، فيما قال آخرون إن المهرجان محاولة للتغطية على فضيحة النظام، الذي سمح لمكاتب أحزابه وميليشياته إنشاء قاعات وأبنية بمواصفات سيئة، مستهيناً بأرواح الناس.
وتعمدت حسون في المهرجان تحريف نص قصيدة الشاعر الفلسطيني "ابراهيم طوقان"، التي اعتمدها النظام الحالي نشيداً وطنياً، والتي تمنى الشاعر فيها أن يرى موطنه "سالماً منعماً وغانماً مكرما"، لتجعله "ناعماً منعما"، وهو أمر اعتبره الكثير من الأوساط الثقافية، إساءة للوطن الذي تتغنى به، وإساءة للقصيدة وللشاعر، فضلاً عن موجة السخرية التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، والتي ركزت على المقارنة بين العبارة التي اقحمتها حسون في القصيدة، وبين طابع العري المخجل، الذي طغى على أزياء المدعوات.
وربطت أوساط ثقافية عراقية بين نشيد شذى حسون ونشيد "سلام فرمندة" الإيراني، باعتبارهما يندرجان ضمن محاولات طمس الهوية الوطنية العراقية لصالح أجندات اجنبية بشكل متعمد. فمنذ انتشار النسخة العربية للنشيد الإيراني، ومحاولة جهات محلية فرضه كنشيد وطني، تعالت أصوات عراقية مطالبة بوضع حد لمحاولات مسخ الشخصية العراقية، سواء في نشيدها الوطني أو يومها الوطني أو أي من رموزها، خاصة بعد قيام بعض المدارس بإنشاده بالفعل عند رفع العلم يوم الخميس، وتبرُّع مدارس أخرى بمنح 5 درجات كمكافأة لمن يحفظه من التلاميذ، ومعاقبة من لا يحفظه.
وقال ناشطون في تعليقاتهم، "إن النسخة الجديدة من محاولات مسخ وتشويه الهوية الوطنية، تجلت واضحة في نشيد شذى حسون، الذي دعت فيه هذه المرة إلى وطن ناعم تحف به نساء شبه عاريات، وبهذه الطريقة تكتمل صورة الوطن الجديد كما تريده الأحزاب الحاكمة، بنسختيه الإيرانية والأمريكية".