بقيت مسألة ازدواجية الجنسية للمسؤولين العراقيين بعد الغزو الأميركي في عام 2003، مثار جدل شعبي وسياسي طويل، يتجدد مع كل عملية تشكيل حكومة جديدة، إذ تنص المادة الـ 18 من الدستور العراقي لعام 2005 على وجوب تخلي من يتولى منصباً سيادياً أو أمنياً رفيعاً عن الجنسية الأخرى المكتسبة.
وقُصد بالمناصب السيادية رؤساء الجمهورية، والبرلمان، والحكومة، إلى جانب وزراء الدفاع والداخلية والخارجية. كذلك يشمل البند الدستوري قيادات الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، مثل جهازي المخابرات والأمن الوطني، ورئاسة أركان الجيش.
كذلك ارتبط ملف الجنسية الثانية لمسؤولي العراق وساسته، بقضية معالجة آفة الفساد في البلاد، التي لاحقت الكثير منهم في السنوات الماضية، إذ شكلت الجنسية المكتسبة لهم مصدات حماية من محاكمتهم، بعد مغادرتهم العراق وتوجههم إلى بلدهم الثاني الذي اكتسبوا جنسيته.
أبرز إعلانات التخلي
ومن أبرز إعلانات التخلي عن الجنسية المكتسبة، بعد عام 2014 في ذروة الأزمات السياسية والأمنية التي عصفت بالبلاد، عقب اجتياح تنظيم الدولة "داعش" مساحات واسعة من العراق، رؤساء حكومات وجمهورية، حيدر العبادي وبرهم صالح وفؤاد معصوم وأياد علاوي والكثير من الوزراء والمسؤولين والشخصيات الدينية والسياسية.
وفي منتصف سبتمبر/أيلول 2014، أعلن مكتب رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، تنازل الأخير عن الجنسية البريطانية، وذلك بعد شهر واحد من توليه منصب رئاسة الحكومة. وجاء الإعلان ضمن رد ضمني على خصوم العبادي بشأن التشكيك في قانونية توليه رئاسة الحكومة مع احتفاظه بالجنسية البريطانية.
وأعلن الرئيس الأسبق للعراق فؤاد معصوم، نهاية ديسمبر/كانون الأول 2014، "تخليه عن الجنسية البريطانية". وفي 17 ديسمبر 2018، أعلن المتحدث باسم الرئاسة العراقية لقمان الفيلي تنازل الرئيس السابق برهم صالح عن جنسيته البريطانية.
وفي فبراير/شباط 2020، أصدر رئيس الوزراء المكلف آنذاك محمد توفيق علاوي، بياناً مكتوباً، وُزِّع على وسائل الإعلام العراقية المحلية، أعلن فيه "تنازله عن الجنسية البريطانية".
الجنسية البريطانية
وبفعل إقامة أغلب مسؤولي العراق اليوم في بريطانيا خلال الفترة ما قبل سنة 2003، حصلوا على جنسيتها. لكن هناك جنسيات أخرى لمسؤولين عراقيين شغلوا مناصب حساسة ومهمة، ما زالوا يحتفظون بها، أبرزها الفرنسية والأميركية والإيرانية والكندية والأسترالية والسويدية، ويحمل آخرون أكثر من جنسية، مثل رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي الذي يحمل الجنسيتين البريطانية واللبنانية.
وقالت صحيفة العربي الجديد، إنها حصلت على معلومات حصرية من مسؤول في وزارة الخارجية بالعاصمة بغداد، أكد أن أيّاً من إعلانات المسؤولين العراقيين بشأن تخليهم عن الجنسية البريطانية كانت غير حقيقية.
وأوضحت الصحيفة على لسان المسؤول أن "محكمة القضاء الإداري، باعتبارها الجهة المكلفة توثيق تلك الإجراءات الخاصة بكبار المسؤولين، أو وزارة الخارجية، لم تتلقَّ أي إشعار بشأن تخليهم عن الجنسية"، واصفاً تلك الإعلانات بأنها كانت "مضللة".
وأكدت الصحيفة من خلال معلومات حصلت عليها من مسؤول أمني، أن رئيس الحكومة الأسبق، حيدر العبادي ورئيس الجمهورية السابق، برهم صالح، تنقلا أخيراً بجوازات سفر بريطانية خلال رحلات خارجية لهم.
وبيّن المسؤول أن 6 وزراء من حكومة محمد شياع السوداني ورئيس جهاز أمني ما زالوا يحملون جنسيات ثانية، وهذا الملف يُفتَحه مع كل أزمة سياسية ضمن لعبة أوراق ضغط يمتلكها كل طرف ضد الآخر.
استهلاك اعلامي
وفي السايق، قال النائب هادي السلامي، إن المعلومات المتوافرة لديه حول ملف المسؤولين مزدوجي الجنسية و ادعاءاتهم بالتخلي عنها كانت "إعلانات للشو الإعلامي والمزايدة"، مضيفاً أن إعلانات التنازل عن الجنسية الأجنبية لم تكن حقيقية، ويمكن اعتبارها جريمة كذب وتضليل.
وبيّن السلامي أن هذا الأمر كان ضمن سلسلة خداع العراقيين، لأن الشخصيات السياسية في العراق لا تملك ثقافة التخلي عن أي شيء من أجل العراق، ولا تملك ثقافة الاستقالة من المنصب، بل بعض الشخصيات تعتبر الجنسية الأجنبية أهم من العراقية، لكونها تسهل لهم الكثير من التحركات في الخارج، وتفتح باب الإفلات، إذا تعرضوا للمساءلة بتهمة الفساد أو غيرها.
الخبير في القانون الدولي، سالم حواس قال، إن هناك إجراءات قانونية قد تأخذ شهوراً عديدة من أجل تخلي الشخص عن جنسيته الثانية، وقد تتخذ قرارات بحقه تصل إلى منعه من دخولها مرة ثانية، أو غرامات مالية، وهو ما لم يحصل مع أيٍّ من المسؤولين العراقيين الذين أعلنوا التنازل عن جنسياتهم.
وبيّن حواس أن كل الذين أعلنوا تخليهم عن الجنسية الأجنبية، لم يقدموا أي إثبات قانوني يؤكد صحة ذلك، وما حصل هو فقط إعلان صحافي يندرج ضمن محاولة الكسب الشعبي ليس إلا.
المصدر: العربي الجديد