وفي وقت تعتبر فيه أزمة السكن في العراق واحدة من أكبر الأزمات في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة للغاية واستشراء البطالة والفساد، تؤكد الحكومة العراقية الحالية برئاسة محمد شياع السوداني أن حل أزمة السكن يندرج ضمن أولوياتها، لكن إجراءاتها ما تزال غير منسجمة مع حجم الأزمة المتفاقمة، وغير قادرة على التعامل مع تهديداتها الكبيرة والخطيرة.
و يشهد العراق أزمة سكن حقيقية، مع بناء المجمعات السكنية الفاخرة التي لا يمكن للمواطن البسيط شراء وحدة سكنية فيها، لا يغطي ما يحتاج إليه البلد من وحدات، حيث إن الحاجة الفعلية للوحدات السكنية في العراق تصل إلى أكثر من 3 ملايين وحدة سكنية، فيما لا تتعدى إنشاءات الوحدات السكنية ضمن المجمعات 10 آلاف وحدة سكنية سنويا فقط.
خطط بلا تنفيذ
كشفت وزارة الإعمار والإسكان، عن وجود خطط استثمارية لتنفيذ عدد من المجمعات السكنية، إلا أن أياً من هذه المجمعات لم يدخل حيز التنفيذ او التوزيع لغاية الآن، فيما تسيطر جهات سياسية وحزبية على هذه المجمعات، كمصدر ممول لمكاتبها الاقتصادية.
وقال المتحدث باسم وزارة الإعمار والاسكان، نبيل الصفار، إن الزيادة السكانية التي شهدها العراق أدت الى تفاقم أزمة السكن، التي تتطلب جهودا كبيرة وعملا متواصلا من أجل معالجتها وفق مشاريع استراتيجية مُعدة على مدى 15 سنة قادمة.
وأوضح الصفار، أن وزارته تعمل على إنشاء مدن سكنية جديدة ومستدامة في جميع المحافظات العراقية، للحد من أزمة السكن، وفق مواصفات حديثة تشمل الفئات الفقيرة ومتوسطة الدخل.
وأشار، إلى أن الوزارة قررت أن تكون المدن السكنية الجديدة خارج مراكز المدن والمحافظات، لضمان التوسعة العمرانية بالتعاون مع الإدارات المحلية للمحافظات التي أخذت على عاتقها توفير الأراضي المناسبة والواقعة ضمن المخططات البلدية لضمان وصول الكهرباء والماء والخدمات البلدية إليها.
فساد الأحزاب
فيما يرى الباحث الاقتصادي، علي عواد، أن مشاريع المدن التي أعلنت عنها وزارة الاعمار والاسكان، لا تعالج أزمة السكن المتزايدة في العراق، وفي ظل وجود أكثر من 4 مليون سكن عشوائي، فضلاً عن حاجة البلد لأكثر من 3 مليون وحدة سكنية.
وأشار عواد، إلى أن هذه المدن وإن تم إنشاؤها سوف تشوبها الكثير من علامات الاستفهام، حول طبيعة الشركات الاستثمارية المنفذة، أو جودة مواد البناء التي تستخدمها هذه الشركات في عمليات الإنشاء والتجهيز، و أن هناك مجمعات سكنية أحيلت للاستثمار إلى شركات منفذة، لم تكن بالمستوى المطلوب في جودتها والمواد المستخدمة فيها، حيث لا تُقارن كلفة الأنشاء البسيطة مع مستوى مبالغ البيع الهائلة، على حد وصفه.
وحذر عواد، من تسليم هذه المدن إلى شركات تابعة لجهات سياسية أو مكاتب اقتصادية أطراف متنفذة، لأنها لا تمتلك الخبرة الكافية لبناء مثل هذه المدن، فضلاً عن عمليات الفساد التي تعاني منها مختلف القطاعات العراقية منها قطاع الانشاءات والبناء.
ونوه أيضاً، إلى ألا تذهب الوحدات السكنية لغير مستحقيها، لأن العُرف السائد في طبيعة النظام الحاكم حالياً، بأن المستفيدين من أي شيء هم المتنفذين أو أصحاب الدخل المادي المرتفع، ولن يستفيد المواطن البسيط في الحصول على سكن له ولأفراد عائلته، مما يزيد من مشاكل أزمة السكن في العراق دون حلول.
العقارات الفاخرة
وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن المشهداني، أن الإقبال على شراء العقارات الفاخرة، وارتفاع اسعار العقارات بشكل عام يعود إلى إجراءات البنك الفدرالي الأمريكي الذي اتخذ عقوبات وعمليات مراقبة للاموال بحق مسؤولين و متنفذين عراقيين مجمدة ارصدتهم في الخارج، فضلاً عن أزمة الدولار وتهريب العملة.
وأضاف المشهداني، أن المسؤولين الفاسدين لديهم وكلاء يقومون بشراء العقارات ومنها العقارات الفاخرة بأسعار مرتفعة، لضمان عدم مساءلتهم أو تسجيل دليل ملموس عليهم، مما يعتبر طريقاً جديداً لغسيل الأموال، خاصة بعد تدهور القطاع المصرفي اللبناني الذي يشهد أزمة كبيرة، حيث كان السياسيون العراقيون يستثمرون أو يضعون أموالهم هناك.
وأضاف أيضاً، أن هناك أراضي وعقارات تابعة للدولة العراقية، وضعت جهات متنفذة وفصائل مسلحة يدها واستولت عليها بشكل كامل، تمتلك المال والسلاح والعلاقات استطاعت الحصول على عقارات وأراضي مميزة وخاصة في العاصمة بغداد، التي باتت تفتقر للمناطق الخضراء ومساحات البيئة النظيفة.
وأشار المشهداني، إلى أن العقارات السكنية الفاخرة اليوم اقتصرت على المشاريع والمجمعات الاستثمارية السكنية، التي لا يمكن للمواطن البسيط شرائها، إنما خصصت لأصحاب رؤوس الأموال والمتنفذين لأنها تتمتع بحماية أمنية عالية فضلاً عن توفر الخدمات الأساسية من ماء، وكهرباء وخدمات بلدية وأسواق.
غسل الأموال
ويرى مختصون، أن هناك حالة من الفوضى في إدارة ملف أزمة السكن في العراق المستخدم في عمليات غسل الأموال، حيث يعيش ما يقارب 10 بالمائة من سكان البلاد في المناطق العشوائية التي تزيد عن 3 آلاف منطقة موزعة في عموم البلاد، بينما يشهد سوق العقارات الفاخرة في العراق رواجا كبيرا وقفزة سعرية حيث تنافس أسعارها قيمة أسعار العقارات في عواصم أوروبية ومنها لندن.
ووصل سعر المتر المربع الواحد في بعض مناطق العاصمة بغداد إلى أكثر من عشرين ألف دولار، وأن هذه الأسعار تتكرر في محافظات ومدن أخرى حيث تتركز العقارات الفاخرة خاصة في مراكز المدن المعروفة، ويأتي انتعاش عقارات الأثرياء في وقت يرزح ربع العراقيين تحت خط الفقر ويعانون من بطالة مرتفعة وتضخم جامح، حسب إحصائيات رسمية.
ومن جانبه قال أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، إن ظاهرة بناء الفلل والعقارات الفاخرة في العراق لا تخلو من عمليات غسيل الأموال، معتبراً أن تداول هذه العقارات يعد ظاهرة مبالغ فيها لأنها حالة غير صحية من الجانب الاقتصادي.
وأضاف المرسومي، أن هناك عقارات تكون مدعومة من الدولة من خلال بناء مجمعات يحصل المستثمرون بموجبها على أراضي بأسعار رمزية لكن يتم بيعها بأسعار عالية لا تتلاءم مع أصحاب الدخل المحدود.
وأكد على أن العقارات الفقيرة تصنع فوارق طبقية تجاه المجتمع في هذا الجانب، وهي أن أصحاب الدخل العالي والمتنفذين هم من يستولون على هذه العقارات، مما يولد فجوة بين الأغنياء والفقراء، ويعطي انطباعا بان هذا التوجه لا يعتبر مجدٍ من الناحية الاقتصادية، لأنه يساهم في تبديد الأموال بدلاً من استثمارها بمشاريع انتاجية وخدمية تساهم في رفع الضرر عن المواطن البسيط.