بعد عدة استهدافات بالصواريخ تعرضت لها القواعد العسكرية الأمريكية في نينوى والأنبار وصلاح الدين وبغداد، جاء الرد الأمريكي هذه المرة واضحا، إذ شنت مقاتلات أمريكية مساء الأحد الـ 29 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري عدة ضربات جوية على مقرات لكتائب حزب الله المنضوية ضمن الحشد الشعبي في قضاء القائم أقصى غربي محافظة الانبار لتودي الضربات إلى قتل وجرح ما لا يقل عن 76 من مقاتلي الحشد.
تساؤلات عدة تطرح عن توقيت الرد الأمريكي وسبب تأخره على الرغم من عدة استهدافات كانت قد شنتها الميليشيات على قواعد أمريكية خلال الأسابيع الماضية.
"الإدارة الأمريكية كانت تأمل بشدة ألا تخطئ إيران في حساباتها"
يشير كثير من الخبراء إلى أن الرد الأمريكي جاء قويا هذه المرة بسبب مقتل متعاقد أمريكي مؤخرا في استهداف لأحد فصائل الحشد لقاعدة أمريكية قبل أيام، إذ يقول الخبير الأمني "رياض العلي" في حديثه لوكالة "يقين" إنه وعلى الرغم من أن القواعد الأمريكية في العراق في كل من مطار بغداد الدولي والتاجي والقيارة وعين الأسد والسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء كانت قد تعرضت للعديد من الرشقات الصاروخية من قبل فصائل في الحشد الشعبي خلال الأسابيع والأشهر الماضية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة حينها لم تقدم على أي رد، إذ غالبا ما كانت الصواريخ تسقط خارج القواعد وعلى مقربة منها ولم تؤدي إلى أضرار مادية أو عسكرية.
وأضاف العلي أن الاستهداف الأخير للقواعد الأمريكية كان مساء يوم الجمعة الماضي 27 من كانون الأول/ ديسمبر على قاعدة k1 العسكرية في كركوك التي تتخذ القوات الأمريكية جزء منها معسكرا لقواتها، إذ أدى القصف الصاروخي بأكثر من 30 صاروخ كاتيوشا إلى مقتل متعاقد أمريكي مدني وإصابة عدة جنود أمريكيين، إضافة إلى مقتل عدد من أفراد القوات الأمنية الحكومية.

وأشار الخبير الأمني إلى أن الرد الأمريكي جاء ضرورة أمريكية عسكرية واستراتيجية بعد أن تعرض جنودها للموت في العراق، ما يعني أن عدم الرد على هذا الهجوم كان سيضع الولايات المتحدة في موقف محرج قد يطال سمعة قواتها العسكرية عالميا.
ويضيف العلي أن الولايات المتحدة وباستهدافها العلني وتبنيها لاستهداف مقرات الحشد في الأنبار وخاصة مقرات كتائب حزب الله الذي تتهمه واشنطن بشن الهجوم على قاعدةk1 ترسل رسائل واضحة بأن إيران وميليشياتها قد تجاوزوا جميع الخطوط الحمراء الأمريكية.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية "ناظم الطائي" أن الرد الأمريكي يحمل عدة رسائل سياسية إضافة إلى الرسائل العسكرية، إذ أن الرد جاء بعد عدة تحذيرات سياسية وعسكرية قوية من قبل واشنطن لطهران وحلفائها، فضلا عن أنه ولأول مرة يقتل مواطن أمريكي بهجوم استهدف قاعدة أمريكية في العراق على يد أحد فصائل الحشد الولائي الموالي لإيران، وهذا ما يترتب عليه تبعات سياسية أكثر منها عسكرية.
وعلى الرغم من أن الهجوم الأمريكي على مقرات الحشد جاء بعيدا عن قاعدة k1، إلا أن الطائي يعتقد في حديثه لوكالة "يقين" أن محافظة الأنبار تعد بالنسبة للولايات المتحدة اكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، فقاعدة عين الأسد تعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، وأن محافظة الانبار تضم عشرات فصائل الحشد الشعبي التي تتوزع على الحدود العراقية السورية، وبالتالي فإن الرد الامريكي جاء سياسيا- عسكريا لإيران في رسالة واضحة، أن إيران لن يكون لها موطئ قدم قرب قواعدها العسكرية في الانبار أو على الحدود العراقية السورية.
"التبعات السياسية للتصعيد العسكري في العراق بين الحشد الشعبي والولايات المتحدة سيكون كبيرا"
وعن ارتباط الاستهداف الأمريكي بما يجري في البلاد من تظاهرات شعبية حاشدة منذ 3 أشهر، يؤكد الطائي أن الميليشيات الموالية لإيران صعدت من استهدافها للقواعد الأمريكية على وقع التظاهرات، إذ تتهم الأحزاب الموالية لإيران الولايات المتحدة بالوقوف مع المتظاهرين، وهذا ما ترتب عليه عدة صواريخ سقطت بالقرب من موقع السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد، لافتا إلى أن الإدارة الأمريكية ونتيجة سكوتها المتكرر عن الاستهدافات الايرانية تعرضت للعديد من الانتقادات حتى على مستوى قادة الجيش الأمريكي السابقين والحاليين.
وتعليقا على ذلك، أكد الممثل الخاص لشؤون إيران في وزارة الخارجية الأميركية "برايان هوك" على أن واشنطن امتنعت عن الرد رغم سلسلة الهجمات المرتبطة بإيران في العراق، ومن بينها 11 هجوما صاروخيا استهدف منشآت أمريكية وأخرى تابعة للتحالف في العراق منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مضيفا بالقول: "لقد تحلى الرئيس ترمب بالكثير من الصبر، وأظهر قدرا كبيرا من ضبط النفس".
وأوضح هوك أن الإدارة الأمريكية كانت تأمل بشدة ألا تخطئ إيران في حساباتها، وتعتقد أن ضبط النفس من جهة واشنطن يعني ضعفا، مشيرا إلى أنه وبعد العديد من الهجمات، كان من المهم للرئيس أن يوجه الجيش الأمريكي للرد بطريقة يفهمها النظام الإيراني بوضوح.

يعيش العراق ومنذ سنوات ساحة صراع أمريكي إيراني أدت إلى تبعات سياسية وأمنية، الصحفي "محمد سالم" يؤكد على أن ما يجري على الأراضي العراقية حرب بالوكالة من الجيل الرابع، إذ يعمد كل طرف إلى استخدام أدواته وحلفائه في أراض أجنبية من أجل تحقيق مصالحه.
ويضيف في حديثه لوكالة "يقين" أن إيران ومنذ سنوات تستخدم الفصائل العسكرية المسلحة سواء كانت عراقية أو أفغانية أو يمنية في تحقيق مصالحها في العراق وسوريا واليمن، موضحا أن كلا الجانبين الأمريكي والإيراني يتجنبان الدخول في حرب مباشرة ويجعلان من حلفائهما وقودا لهذه الحرب التي لا يبدو أنها ستحسم قريبا.
"فصائل الحشد توعدت برد عسكري قاس على الاستهداف الأمريكي، وهذا ما سيشكل عبئا عسكريا كبيرا على الحكومة في بغداد"
وفي صعيد ذي صلة، يؤكد المحلل السياسي "منتظر الحسيني" أن التبعات السياسية للتصعيد العسكري في العراق بين الحشد الشعبي والولايات المتحدة سيكون كبيرا، إذ أن الوضع السياسي الحالي لن يكون سانحا للبرلمان في اتخاذ أي قرار برلماني بإلزام الحكومة في إخراج القوات الأمريكية من العراق.
ويضيف في حديثه لوكالة "يقين" أن مشكلة أخرى كبيرة بدأت تلوح في الأفق وتضع الحكومة في موقف حرج جدا، إذ ان فصائل الحشد توعدت برد عسكري قاس على الاستهداف الأمريكي، وهذا ما سيشكل عبئا عسكريا كبيرا على الحكومة في بغداد التي تقع عليها مسؤولية حماية القواعد العسكرية الأمريكية والدبلوماسيين الأمريكيين، ما يعني أن أي استهداف جديد من قبل الحشد لقواعد أمريكية سيؤدي إلى رد أمريكي عنيف، وهذا ما تحاول الحكومة تجنبه خاصة أن التظاهرات الشعبية دخلت شهرها الثالث وأن الوضع الأمني في البلاد غير مستتب.
هي حسابات معقدة إذن تلك التي تكتنف الوضع العراقي على الصعيدين الامني والسياسي، في ظل مؤشرات عديدة على أن بعض فصائل الحشد الشعبي لن تلتزم بأوامر الحكومة في تجنب أي استهداف للقواعد الأمريكية في البلاد.