بغداد .. هل تكون المحطة السادسة لقطار التطبيع مع "إسرائيل" ؟

 

شهد عام1977 زيارة غير مسبوقة لزعيم عربي إلى "إسرائيل" حيث زار رئيس مصر الأسبق أنور السادات القدس في مثل هذه الأيام (19 نوفمبر) وألقى خطابه الشهير في الكنيست "الإسرائيلي" ليوقع فيما بعد معاهدة سلام ضمن اتفاقية كامب ديفيد مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" آنذاك مناحيم بيغن برعاية أمريكية في 17 سبتمبر عام 1978، ثم اعقبت الأردن مصر في معاهدة وادي عربة في 26 أكتوبرعام  .1994
خطوة السادات تسببت بمقاطعة عربية لنظامه حيث عقدت 10 دول عربية مؤتمراً في بغداد ثم مؤتمراً آخر في تونس عام 1979 لرفض هذه الخطوة. مؤتمرا القمة تمخضا عن رفض اتفاقية كامب ديفيد ودعوة مصر إلى التراجع عنها، وحظر عقد صلح منفرد مع إسرائيل ونقل جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس واستبدال أمينها العام بعد تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية.
عام 2020 الذي حمل لنا جائحة كورونا حمل إلى العرب جائحة أخرى تمثلت بسلسلة تواقيع عربية جديدة على ورقة التنازل عن القضية الفلسطينية تحت مسمى "التطبيع" شملت الأمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان التي ستكون خامس دولة عربية توقع اتفاقية صلح مع "إسرائيل" ولا يتوقع أن تكون الأخيرة فأين سيتوقف قطار التسوية في محطته القادمة وهل ستكون بغداد التي رعت مؤتمر مقاطعة السادات عاصمة التطبيع السادسة ؟

 

سيكون العراق هو الهدف التكتيكي لحملتنا على المنطقة، وستكون المملكة العربية السعودية هي الهدف الإستراتيجي، أما مصر فستكون الجائزة الكبرى

 

العراق هدف تكتيكي

هل كان التطبيع واحداً من الأهداف التي احتُل من أجلها العراق؟

تتشابه تصريحات المسؤولين الأميركيين و"الإسرائيليين" في كشف نواياهم المشتركة لتركيع الأنظمة العربية واحداً تلو الآخر بأساليب مختلفة، في أعقاب هزيمة حزيران 1967 قال وزير الحرب الصهيوني موشى ديان: "لقد استولينا على أورشليم ونحن في طريقنا إلى يثرب وإلى بابل" أما السياسي اليهودي الأمريكي ريتشارد بيرل من المحافظين الجدد وهو واحد من "تيار الصقور" في إدارة جورج بوش الإبن فقد قال عام 2002 قبل الغزو "سيكون العراق هو الهدف التكتيكي لحملتنا على المنطقة، وستكون المملكة العربية السعودية هي الهدف الإستراتيجي، أما مصر فستكون الجائزة الكبرى".

خطوات التطبيع لا تستوي مع كل البلدان العربية فبعضها يحتاج إلى حرب "تحريك" كما حدث عام 1973 تنتهي بمعاهدة سلام مع مصر فالأردن، أو إلى احتلال كما حدث للعراق لتهيئته للقبول بالتطبيع وبعضها يحتاج إلى انقلاب كما حدث في السودان.

عندما تتشكل الحكومة المنتخبة سواء في السودان أو العراق تكون الحكومة المؤقتة قد توارت عن الأنظار أما الجديدة فلن تستطيع التملص من معاهدات الحكومة المؤقتة على فرض أنها منتتخبة فعلاً وأنها لا تريد التطبيع

 

العراق والسودان.. أوجه الشبه

في أعقاب هزيمة حزيران 1967 استضافت السودان القمة العربية التي سميت بقمة اللاءات الثلاث والتي أكدت على الثوابت العربية :"لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني" وزيارة السادات إلى القدس دفعت بغداد لاستضافة المؤتمر الذي ندد بها. أمريكا وإسرائيل ليستا على عجلة من الأمر فهما تعدان طبخة التطبيع على نار هادئة، السودان بعد عقود من مؤتمرها وسلسلة من التغييرات السياسية انتهت بحكومة تسيير أعمال شكلها المجلس العسكري الحاكم لحين تنظيم انتخابات خلال تسعة أشهر وهي فترة كافية لإنجاز معاهدة مع "إسرائيل" تلزم الحكومة المنتخبة فيما بعد ببنودها. في العراق أيضاً انتهى الأمر بالكاظمي رئيساً لحكومة مؤقتة شكلها في أيار الماضي وقال إن أعمالها ستنتهي بإنتخابات مبكرة في يونيو/حزيران المقبل وهي فترة ولاية تزيد بخمسة أشهر عن الحكومة المؤقتة في السودان قد تكون هي الأخرى كافية لتطبيع يلزم الحكومة القادمة على الطريقة السودانية وفق مبدأ "إضرب واهرب"، فعندما تتشكل الحكومة المنتخبة سواء في السودان أو العراق تكون الحكومة المؤقتة قد توارت عن الأنظار أما الجديدة فلن تستطيع التملص من معاهدات الحكومة المؤقتة على فرض أنها منتتخبة فعلاً وأنها لا تريد التطبيع.

 

التطبيع شرط للإنسحاب

التطبيع مع العراق لن يتم بالسهولة التي تم بها مع غيره بسبب المزاج الشعبي العام المتأصل في رفض مثل هذه الخطوة، فالوصول إلى عراق قابل للتطبيع اقتضى المرور بكل المراحل التي مر بها من 2003 حتى الآن: الإحتلال ثم الفساد والفوضى العارمة في كل المجالات وصولاً إلى الإفلاس ليكون مهيئاً للوقوع في فخ التطبيع وقد عبر الموقع الأمريكي المتخصص بالدراسات الإستراتيجية "إنسايد أرابيا" عن هذه الحقيقة عندما نشر تقريراً قال فيه "إن الولايات المتحدة قد تربط انسحابها من المنطقة والعراق بشرط تطبيع تلك العلاقات" مضيفاً " إن تطبيع العلاقات بين دول الخليج وحكومة (إسرائيل) سيشمل قريباً المزيد من الدول في الشرق الاوسط" وتطرق التقرير إلى دول عربية أخرى قد تلحق بقطار التطبيع لكنه شدد  على أن " الجائزة الجيوسياسة الأكبر في المنطقة، هي تحقيق الاختراق الدبلوماسي أول مرة بين تل ابيب والعراق". وخلص التقرير إلى القول إن التطبيع مع العراق "سيحتاج إلى استثمارات وأموال لتعويض الانخفاض الحاد في عائدات النفط وتسكين الاضطرابات الاجتماعية التي يمر بها، وبالتالي يمكن رشوته ليتبع خطى البحرين والإمارات"! التقرير تساءل إن كان الشعب العراقي سيستفيد من عملية التطبيع وأجاب بأن "المستفيد الاكبر من تلك العملية هو الولايات المتحدة فعلى مستوى جيوسياسي أكثر، يمكن للولايات المتحدة استخدام احتمالية التطبيع مع (اسرائيل) لمغادرة المنطقة، وتقليل مشاركتها العسكرية"

 

التطبيع ليس شأناً داخلياً

كان الرفض الشعبي لمشاريع الصلح والإستسلام فيما مضى حديث الشارع العربي عموماً والعراقي خصوصاً وكان مجرد التفكير بالتطبيع من مواطن عادي يعد خيانة عظمى أما عندما يفكر به مسؤول فالأمر يستدعي قمة عربية تتدارس ما آلت إليه أوضاع الأمة.

مصطفى الكاظمي وفورعودته من زيارته الأخيرة لواشنطن قال إن خطوة التطبيع التي أقدمت عليها الإمارات "شأن داخلي" ولا ينبغي للعراق التدخل فيه، وسُربت أخبار من مصادر مقرّبة منه عن زيارة قد يقوم بها للإمارات قريباً رغم حملة التنديد والاستنكار الداخلي للخطوة الإماراتية.
الكاظمي الذي يواجه ضغوطاً شعبية كبيرة لحل أزمات لا قبل له بها تقابلها وعود خارجية بالحصول على إعفاء اقتصادي في ظل اقتصاد سينكمش بنسبة 5% هذا العام وفق تقديرات صندوق النقد يجعله مرشحاً للقيام بخطوة لا تختلف عن خطوات من سبقه باتجاه التطبيع وقد يتزامن ذلك مع نهاية ولايته ليتوارى بعيداً عن المسرح السياسي بعد إنجاز مهتمة .

 

 

26 مايو، 2017
اقتحام القيروان غرب نينوى...الأسباب والتداعيات
5 نوفمبر، 2023
كيف تستغل الأحزاب المدارس للترويج الانتخابي؟
22 يوليو، 2017
موجة حر عنيفة يصل مداها لـ (70 درجة) في عراق منعدم الخدمات .. كيف ذلك !
17 أغسطس، 2018
منفذ طريبيل.. شريان تجاري يعاني الفشل وسيطرة الميليشيات
30 أكتوبر، 2018
انتشار ميليشيا الحشد في المدن.. مخاوف من تجدد الانتهاكات
21 سبتمبر، 2016
المساعي المتواصلة للزمر الحكومية الفاسدة لم تبرئ زيباري ولم تنقذه من عار إقالة محققة
17 ديسمبر، 2023
الحملات الانتخابية في العراق.. كيف تؤجج الخطاب الطائفي؟
30 مارس، 2020
واشنطن تحضر لحملة عسكرية في العراق.. هل تشتعل حرب جديدة؟
21 فبراير، 2024
قضاء المدائن في بغداد.. ضحية جديدة لمطامع المليشيات
19 نوفمبر، 2023
في يومها العالمي.. حوادث الطرق تتفاقم في العراق
16 يناير، 2018
تفجيرات بغداد.. صراع التحالفات ينذر بانهيار الوضع الأمني
21 يوليو، 2023
14 مصرفا عراقيا تحت طائلة العقوبات الأمريكية بسبب إيران
menu-circlecross-circle