من جديد تسلم مجلس النواب من الحكومة العراقية أواسط الشهر الماضي نسخة من مشروع قانون جرائم المعلوماتية بغية مناقشته وإقراره، وعلى الفور تصدت له المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير، وهي ليست المرة الأولى التي يعرض فيها هذا المشروع على مجلس النواب فيتم إفشاله إذ عرض للمرة الأولى على المجلس في دورته الثانية عام 2011 لكن جهات عديدة في الداخل والخارج كانت تتصدى له كلما أعيد طرحه واقترب موعد إقراره لما يتضمنه من فقرات تقيد الحريات العامة وتجعله سيفاً بيد السلطة مسلطاً على رقاب الصحفيين والناشطين وكل من يبدي رأياً لا يعجب السلطات.
ووصف أحد الناشطين مشروع قانون جرائم المعلوماتية المزمع إقراره في مجلس النواب بأنه "فتنة كلما أججوها أطفأناها، فمنذ عام 2011 يراوح هذا القانون بين أروقة البرلمان لا هم يجرأون على إقراره ولا هم يتخلون عنه فيريحون ويستريحون".
وأضاف هذا الناشط القول أن لا أحد يعترض على محاربة الجرائم الألكترونية والإبتزاز والتهديد والمساومات، والإباحية التي يقول القانون أنه يحاربها لكن ما علاقة كل ذلك بالنقد السياسي وفضح الفساد والحريات الصحفية ولماذا يصر المشروع على دمج كل هذه المواضيع في قانون واحد؟
العديد من مواد القانون "تجرم استخدام أجهزة الحاسوب فيما يتعلق بمجموعة واسعة من الأنشطة المحددة بشكل فضفاض، وكثير منها غير منظم، دون أي معايير محددة لما يمكن أن يشكل جريمة
المشروع يتعارض مع القانون الدولي
ونشرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية "هيومن رايتس ووتش" بياناً جاء فيه أن مشروع قانون "جرائم المعلوماتية" الذي يدرسه البرلمان العراقي بمثابة أداة السلطة لقمع المعارضين." مضيفة أنه " يمكن استخدامه لخنق حرية التعبير، التي تتعرض بالفعل للهجوم في العراق". وجاء في البيان إن"مشروع القانون يتضمن أحكاما غامضة تسمح للسلطات العراقية بأن تعاقب بشدة التعبير الذي ترى أنه يشكل تهديدا للمصالح الحكومية أو الاجتماعية أو الدينية".
وبحسب بيان المنظمة الدولية فإن العديد من مواد القانون "تجرم استخدام أجهزة الحاسوب فيما يتعلق بمجموعة واسعة من الأنشطة المحددة بشكل فضفاض، وكثير منها غير منظم، دون أي معايير محددة لما يمكن أن يشكل جريمة" وأكد البيان أيضاً أن "هذه المواد تبدو متعارضة مع القانون الدولي والدستور العراقي، وستحد بشكل خطير من الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات".
وقالت الباحثة في قسم الأزمات والنزاعات بالمنظمة بلقيس والي إن "القانون يمنح السلطات العراقية أداة أخرى لقمع المعارضة في الوسيلة الرئيسة التي يعتمد عليها الصحفيون والنشطاء وعامة الناس للحصول على المعلومات وللنقاش المفتوح". وعقبت هذه الباحثة على عواقب إقراره لو قدر له أن يُقر بأنه "سيقوض المجال الضيق أصلاً لحرية التعبير، ويخنق النقاش والحوار العام على الإنترنت".
مواد غامضة وأحكام قاسية
وبإلقاء نظرة سريعة على أهم مواد القانون يمكن للمراقب أن يستشف مدى قسوة الأحكام في فقرات قابلة للتأويل قد تسوق الكثير من الأبرياء إلى السجن. ودمجت فقرتان من المادة الثامنة بين من "يتقصد نشر أو ترويج أو شراء أو بيع أو استيراد مواد إباحية" وبين " مَن حاول انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد، وذلك بالتقاط صور أو نشر أخبار أو تسجيلات صوتية أو مرئية، تتصل بها ولو كانت صحيحة". وحدد القانون عقوبة تصل إلى 3 سنوات وبغرامة 5 ملايين دينار في الحالة الأولى و 10 سنوات، وبغرامة 15 مليون دينار في الثانية. أما عقوبة ما وصفه القانون ب"الاعتداء على المبادئ والقيم الدينية أو الأسرية أو الاجتماعية" فتصل عقوبتها إلى السجن 10 سنوات وغرامة تصل إلى 15 مليون دينار.
رفض داخلي واسع
وانتقد العديد من الشخصيات والمنظمات الحقوقية العقوبات المشددة التي ينص عليها مشروع القانون والمواد الفضفاضة القابلة للتأويل والتي قد تترك المجال واسعاً للسلطات لاستغلالها ضد النشطين والمعارضين والمدونين
وقال مسؤول قسم الثقافة في هيئة علماء المسلمين حارث الأزدي في لقاء تلفزيوني إن هذا القانون "واضح من فقراته، فهو ليس بكلمة حق ولا يراد من ورائه غير تكميم الأفواه وقطع الألسن بل إنه ينصب بكامل فقراته لحماية الفاسدين والسارقين والمتلاعبين بمقدرات البلد" مضيفاً أن القانون "سيكون سيفاً إن أقرعلى رؤوس العراقيين وأداة بأيدي القوى السياسية ممثلة بأحزابها وميليشياتها لاستهداف من تشاء متى تشاء"
وحذر بيان للمرصد العراقي للحريات الصحفية من المصادقة على هذا القانون في مثل هذه الظروف السياسية والإجتماعية المضطربة لأن ذلك من شأنه "أن يهدد حرية التعبير ويعرض الكتّاب والصحفيين والمدونين للمحاكمة والسجن".وقال رئيس المرصد هادي جلو مرعي إن القانون بصيغته الحالية "يحمي النخبة السياسية من الانتقاد" مضيفاً في تصريح صحفي أن القانون يتضمن مواداً " لتهديد المثقفين وتخويفهم وإرهابهم ليتجنبوا انتقاد قضايا الفساد والأداء غير المتوازن للسلطة وللنخب الحاكمة المستفيدة على مستويات عدة"
من ناحيتها تساءلت عضوة البرلمان ريزان شيخ دليرعن "حاجة العراق لتشريع قانون أغلب فقراته مختصة بأمن الدولة ومكافحة الإرهاب والإتجار بالبشر والمخدرات مع وجود قانون آخر معنيّ بذلك وهو قانون "مكافحة الإرهاب"
وعلى مدى ما يقرب من 10 سنوات تعاقبت على الحكم وعلى البرلمان العديد من أحزاب السلطة كانت جميعها تصر على إقرار قانون رفضته كل المنظمات الدولية والشخصيات المنصفة في الخارج والداخل.