تعتز أمم الأرض بأَعلامها كرموز يتوحد حولها كل أبناء الشعب لدرجة أن الخدمة الإلزامية سميت بخدمة العلم وأن جثامين من سقطوا دفاعاً عن الوطن تلف به ، أما النشيد الوطني فيحفّظ للأطفال في مدارسهم الإبتدائية وتصدح الحناجر به في الملاعب الرياضية والإحتفالات والمناسبات الشعبية ، وتتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل كإرث ثقافي وفي بعض الدول يتغنى به الناس حتى في أعراسهم ومناسباتهم الشخصية حيث تتوحد المشاعر ويندمج الشخصي منها بالوطني.
ولا يعبر العلم ولا النشيد الوطني عن نظام ما، وقد تغيرت الأنظمة والحكومات في كثير من دول العالم لمرات عديدة وبقي العلم يرفرف فوق أسطح البنايات، وردد الأطفال في المدارس والشباب في الملاعب والمحاربون القدماء في استذكارهم لانتصاراتهم نفس النشيد المعبر عن انتمائهم لوطن لا لنظام حكم . في العراق تغير العلم سبع مرات منذ تأسيس المملكة العراقية 1921 فضلاً عن أعلام فرعية تمثل الأقليات والتي صارت ترفع إلى جانب أو بدلاً من علم الوطن أحياناً، أما النشيد الوطني فلا يكاد يحفظه جيل حتى يتغير ليحفظ الجيل الجديد نشيداً غير الذي حفظه آباؤهم.
الأسبوع الماضي تناقلت وسائل الإعلام حديث وزير الثقافة والسياحة والآثار (وهو أيضاً المتحدث بإسم الحكومة) حسن ناظم الذي كشف فيه عن عزم كومته تغيير العلم والنشيد للمرة الثالثة منذ الاحتلال و"إقرار قانون اليوم الوطني في العراق" حيث أن العراقيين لا يعرفون يومهم الوطني حتى الآن، فما هي قصة العلم والنشيد في العراق ومتى سيكون يومهم الوطني؟
أليس من المخجل أمام أمم العالم أن بلداً ينتمي لحضارة عمرها 7 آلاف عام صحا فجأة ليبحث عن يوم وطني؟ ليعتمدوا يوم الإستقلال عن التاج البريطاني يوماً وطنياً وينتهي الموضوع
قصة العلم
تعتمد غالبية الدول العربية الألوان الأربعة ذاتها في أعلامها وهي الألوان التي اعتمدها أول علم عراقي عام 1921 وهذه الألوان مستمدة من قصيدة الشاعر العراقي صفي الدين الحلي 1277) - (1339 التي تغنى بها بشرف وبطولات قومه عندما قال:
(بيضٌ صنائعُنا سودٌ وقائعُنا خُضرٌ مرابعُنا حُمرٌ مواضينا)
لماذا تصر الحكومات المؤقتة على بحث هذا الموضوع؟ مجلس الحكم كان مؤقتاً وأراد أن يمرر علماً مقززاً لا يمت لتاريخنا بصلة والحمد لله فشل في تمريره والآن حكومة مؤقتة تبحث عن علم ويوم وطني.
ورغم التغييرات التي طرأت على العلم خلال مائة عام إلا أنها لم تشذ عن قاعدة الألوان الأربعة إلا في انقلاب عبد الكريم قاسم 1958 الذي أضاف اللون الأصفر للعلم، وعلم آخر فشل مجلس حكم الإحتلال بتمريره عام 2004 حيث ووجه بموجة رفض شعبي عارمة، ومن بين انتقادات واسعة لمواطنين استفتتهم الصحافة آنذاك عبرت إحدى المواطنات عن اعتقادها بأن مشروع العلم المقترح "جزء من الحرب النفسية ضد العراقيين، تزرع بداخلهم الخضوع والاستسلام وتسلخهم من حضارتهم العريقة وماضيهم المجيد ".
مؤخراً وبعد إعلان وزير الثقافة عن عزم حكومته المؤقتة البحث عن يوم وطني وعلم جديد استطلع أحد المواقع الألكترونية آراء المواطنين فماذا كانت إجاباتهم؟
سرى أحمد مديرة مدرسة ثانوية قالت "لماذا تصر الحكومات المؤقتة على بحث هذا الموضوع؟ مجلس الحكم كان مؤقتاً وأراد أن يمرر علماً مقززاً لا يمت لتاريخنا بصلة والحمد لله فشل في تمريره والآن حكومة مؤقتة تبحث عن علم ويوم وطني." وقال رجل متقاعد في الستين من عمره "أليس من المخجل أمام أمم العالم أن بلداً ينتمي لحضارة عمرها 7 آلاف عام صحا فجأة ليبحث عن يوم وطني؟ ليعتمدوا يوم الإستقلال عن التاج البريطاني يوماً وطنياً وينتهي الموضوع، لكن جل ما أخشاه أن يعودوا ليوم الإحتلال 9 نيسان الذي حاولت بعض الكتل تمريره مع العَلَم أيام مجلس الحكم. ستكون حقاً كارثة لو اعتمدوه"!
وعلق رجل التقاه مراسل الصحيفة في شارع المتنبي بالقول "سيجد أعضاء مجلس النواب موضوعاً جديداً يتسلون به ويقضون وقت فراغهم"حسب تعبيره
وزير القافة اقترح يوماً وطنياً لكنه يعتقد أن هناك عقبات تعترض الإتفاق عليه فماذا يقترح الوزير وماهي تلك العقبات؟
عقدة "المكونات"
في حديثه التلفزيوني قال وزير الثقافة "إن قانوني النشيد الوطني والعلم العراقي قيد الدراسة من قبل لجان مختصة، واستلمت عدة مقترحات بهذا الصدد" وتحدث الوزير عن وجود "صعوبات في تشريع القانونين" ويعتقد مراقبون أنها ذات الصعوبات التي اعترت كل القوانين السابقة بعد تقسيم الشعب الواحد إلى "مكونات" في نظام محاصصة يبحث فيه زعيم كل مكون عن "حصة" له حتى في العلم والنشيد، وهذا ما دفع الوزير للقول إن الحكومة ستغير النشيد والعلم " فور تحقق اتفاق بين الاتجاهات والسياسية والتعددية في البلاد." حسب تعبيره.
وعن اختيار يوم وطني قال ناظم إن هناك "تفاهمات مع عائلة الرئيس الأسبق جلال الطالباني بشأن إقرار قانون اليوم الوطني في العراق المقترح ليكون 3 أكتوبر/تشرين الأول، وهو التاريخ الذي يتزامن مع ذكرى وفاة الطالباني". وعلق صحفي كان يتابع اللقاء من شاشة التلفزيون "إن هذا اليوم هو ذكرى استقلال العراق عن بريطانيا وانضمامه لعصبة الأمم كدولة مستقلة فهل يعقل أن ننسى هذه المناسبة ونتذكر وفاة شخصية ما؟ ثم هل يُحتفى بالأشخاص - على فرض استحقاقهم للإحتفاء - في ذكرى وفاتهم أم في ذكرى ميلادهم؟
وخضع العراق منذ 1920 للانتداب البريطاني لينال استقلاله بعدها في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1932 وينتقل من إقليم يخضع للانتداب إلى الدولة رقم 57 في العالم، كدولة مستقلة تتمتع بكامل الصلاحيات وفق القانون الدولي. ومن بين عواصم عربية عديدة كانت بغداد الأولى التي تخلصت من الانتداب، لتحصل على الاستقلال التام وتتحول من إقليم إلى دولة.
في الثالث من تشرين الأول الماضي مرت الذكرى المئوية لاستقلال العراق ،وبين موعد تأسيس الدولة وبين استقلالها إثنتا عشرة سنة، وعبرت صحيفة الإندبندنت عن استغرابها من مرور الذكرى المئوية لهذه المناسبة "دون تحضيرات تذكر، في حدث لا يتكرر مرتين في عمر الشعوب."