ثمانية أفراد بينهم ستة من عائلة واحدة راحوا ضحية المجزرة الأخيرة في قرية "البودور" في محافظة صلاح الدين 25 كيلومتراً جنوب مدينة تكريت مركز المحافظة، وهي منطقة محاطة بدرع أمني مغلق يستحيل اختراقه تحت سيطرة اللواء 35 التابع لـلحشد الشعبي حيث لا يسمح بدخول المنطقة إلا موافقات أمنية بعد إجراءات أمنية معقدة متبعة منذ نحو عامين. وقام مسلحون بمهاجمة ثلاثة منازل في قرية "البودور" وأعدموا رمياً بالرصاص فجر الجمعة الماضية رجلاً وزوجته وأربعة من أبنائه وشخصين آخرين. ورفض أهالي القرية دفن الضحايا إلا بحضور رئيس الوزراء الذي أوفد وزير الداخلية عثمان الغانمي حيث طالبه أهالي القرية باستبدال القطعات العسكرية في مناطقهم، وتعقيباً على ذلك قال الغانمي في تصريح صحفي إن هناك "مداولة مع القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي بهذا الصدد وستكون هناك حلول" بحسب الوزير.
هناك من يستغرب من تمكن 15 شخصاً مسلحاً من الدخول إلى المنطقة، وتنفيذ الجريمة، دون أن يلاحظهم أحد، والمنطقة مليئة بالكاميرات الحرارية التي تتحكم بها قوات الأمن والحشد.
بيان الحشد وبيان اللجنة
وصدر عن قيادة عمليات الحشد الشعبي في المحافظة، بيان حول الحادثة قال عنه أحد الصحفيين إنه "إنشائي أكثر منه تحليلي" حيث لم يذكر شيئاً عن كيفية حصول مثل هذا الخرق بهذه السهولة، وجاء في البيان أنه "مازال رجال العراق يقدمون أرواحهم فداء لتراب هذا الوطن الغالي ويبذلون دماءهم الزاكيات، وها نحن اليوم نقدم كوكبة من أبناء العشائر العراقية الأصيلة الذين عرفوا بالتزامهم الوطني والديني والأخلاقي" وجاء فيه أيضاً "ولا يسعنا في هذا المصاب الجلل إلا إرسال رسالة للعالم أجمع وللعراقيين ولأهالي محافظة صلاح الدين بصورة خاصة مفادها أن إخوانكم في الحشد الشعبي والجيش العراقي سيكونون سداً منيعاً بوجه كل من تسول له نفسه المساس بكرامة العراقيين، " لكن البيان لم يذكر كيف تسلل هؤلاء من السد المنيع الذي تحدث عنه وانتهكوا كرامة العراقيين.
أما بيان اللجنة المشتركة للتحقيق فقد ذكر إن المنفذين تابعون لتنظيم الدولة "داعش" وأنهم "تسللوا إلى القرية مترجلين وهم يرتدون الزي العسكري بحجة تفتيش في منازل المغدورين في أطراف القرية، وقاموا بتنفيذ جريمتهم الغادرة بحق الأبرياء العزل".
من الصعب جداً وضع الحادث وتداعياته ضمن إطار منطقي، المنطقة مغلقة ويسيطر عليها فصيل من الحشد الشعبي ومن الصعب اختراقها
شكوك الأهالي
وشكك أهالي القرية بنتائج اللجنة التحقيقية ووصفوها بأنها "معدة مسبقاً" نظراً لسرعة صدورها ولطبيعة الجريمة والملابسات المحيطة بها، مستذكرين مجزرة "الفرحاتية" التي ارتكبت في المحافظة ذاتها غير بعيد عن "البودور" في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ولم تعلن نتائجها حتى الآن. وكانت اللجنة التحقيقية في المجزرة الأخيرة قد قالت إن تنظيم الدولة "داعش" ارتكب الجريمة وذلك إثر صدور بيان نسب إلى التنظيم تبنى المسؤولية عن الحادثة.
إلى ذلك قال مصدر مقرب من الحكومة المحلية في صلاح الدين لإحدى الصحف دون الكشف عن اسمه إن بيان التنظيم الذي تبنى الحادث " كان أشبه بطوق نجاة للجنة التحقيق،" مضيفاً أنه "من الصعب جداً وضع الحادث وتداعياته ضمن إطار منطقي، المنطقة مغلقة ويسيطر عليها فصيل من الحشد الشعبي ومن الصعب اختراقها، ومن شأن كل ذلك أن يبقي أبواب الشك مفتوحة"، خاصة وأن سكان الحي سمعوا أصوات إطلاق النار من أماكن بعيدة.
وأكد المصدر "وقوع ما لا يقل عن 5 حوادث مماثلة في الأشهر الخمسة الأخيرة، لكن بعضها لم يصل إلى وسائل الإعلام" معبراً عن اعتقاده "بوجود نية لبعض الأطراف بإحداث تغيير ديمغرافي"، وأن هذه الأطراف تستخدم أساليب مختلفة لترويع الأهالي وإرغامهم على الرحيل.
وعبرت عوائل الضحايا عن شكوكها بنتائج التحقيقات حيث قال أحد أقارب الأسرة التي فقدت 6 أشخاص أنه يستغرب من تمكن 15 شخصاً مسلحاً من الدخول إلى المنطقة، وتنفيذ الجريمة، دون أن يلاحظهم أحد، والمنطقة مليئة بالكاميرات الحرارية التي تتحكم بها قوات الأمن والحشد. وقال شقيق أحد الضحايا في مقطع مصور أن آمر اللواء 35 التابع للحشد الشعبي المدعو ابو سجاد كان قد هدد شقيقه قبل الحادث.
تداعيات الحادث
ورغم صدور نتائج التحقيق إلا أن مسؤولاً أمنياً بارزاً في المحافظة قال أنه لايوجد حتى الآن ما يثبت قيام تنظيم الدولة "داعش" بارتكاب المجزرة ، مرجحاً "احتمال تورط جهات مسلحة لأغراض طائفية أو بدوافع انتقامية أخرى".
وطالبت أطراف برلمانية باستبدال القيادات الأمنية في صلاح الدين لثبوت فشلها في مسك الملف الأمني في مدن المحافظة. وصدر بيان صحفي عن حزب المسار المدني جاء فيه إن "ما حصل في منطقة "البو دور" يبين حالة الإهمال وتردي الوضع الأمني، وضعف استجابة القوات الأمنية تجاه التحديات الخطيرة التي تواجه مناطق عديدة في المحافظة، وعدم اتخاذها الإجراءات الكفيلة بحماية الأهالي" وقال رئيس الحزب النائب عن محافظة صلاح الدين مثنى السامرائي، إن "استمرار إهمال الجهات المسؤولة عن أمن تلك المناطق وعدم اكتراثها لمثل هذه الجرائم يجعل منها شريكاً في استمرار نزيف دماء أبنائنا"، مطالباً ب "المساءلة والتحقيق العاجل في أسباب وقوع هذه الجريمة ومعاقبة المقصرين".