بعد خلافات كثيرة ومداولات عاصفة أقر البرلمان العراقي قانون التعديل الأول (الأمر رقم 30 لسنة 2005م) الخاص بقانون المحكمة الاتحادية العليا المقدم من اللجنة القانونية وذلك بأغلبية أصوات النواب الحاضرين، بعد مقاطعة النواب الكرد وممثلي الأقليات. وباشر مجلس القضاء الأعلى الإثنين الماضي أولى مداولاته لتشكيل المحكمة الاتحادية العليا. ووفق ما تنص عليه القوانين التي يتم بموجبها تشكيل المحكمة اجتمع القضاة المكلفون، لاختيار رئيس وأعضاء المحكمة، بحسب بيان صدر عن المكتب الإعلامي لمجلس القضاء. وجاء في البيان إن "الاجتماع ضم رئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس المحكمة الاتحادية العليا، والمدعي العام، ورئيس هيئة الإشراف القضائي، وأجريت خلال الاجتماع المداولات الأولية لاختيار رئيس وأعضاء المحكمة خلال الأيام القليلة المقبلة". وفي وقت سابق أنهى مجلس النواب الجدل بين القوى السياسية عندما صوت بأغلبية أعضائه على تعديل المادة الثالثة إضافة لمادة جديدة من قانون التعديل الأول من قانون المحكمة الإتحادية العليا، بحسب بيان صدر عن المجلس.
وتتكوّن المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية أعضاء وهي أعلى محكمة في العراق، تختص بالفصل في النزاعات الدستورية، وتعتبر قراراتها نهائية وملزمة لجميع السلطات ، وهي مستقلة عن القضاء بشكل تام ولا يوجد أي ارتباط بينهما.
نشأت الخلافات بالدرجة الأولى مع بعض الكتل الدينية التي أرادت إضافة فقهائها كأعضاء في المحكمة ومنحهم صلاحية التصويت على القرارات وهو أمر اعتبره معارضو هذا الإجراء مخالفاً لروح الدستور ويؤثر على استقلالية المحكمة
ألنقاط الخلافية
ومُرر التعديل بأغلبية أصوات الحاضرين بعد مقاطعة ممثلي الأقليات والنواب الكرد. ويقتضي تشريع القانون حضور ثلثي أعضاء البرلمان. وكانت الكتل السياسية قد فشلت في الإتفاق حول مشروع القانون حيث تركزت الخلافات حول ثلاث مواد منه بعد التصويت على إحدى وعشرين مادة من موادة.
ونشأت الخلافات بالدرجة الأولى مع بعض الكتل الدينية التي أرادت إضافة فقهائها كأعضاء في المحكمة ومنحهم صلاحية التصويت على القرارات وهو أمر اعتبره معارضو هذا الإجراء مخالفاً لروح الدستور ويؤثر على استقلالية المحكمة التي يفترض أن تكون على مسافة واحدة بين جميع المكونات بحسب المعارضين للتعديل. ومن بين النقاط الخلافية الأخرى برزت مسألة آلية التصويت وما إذا كانت الأغلبية البسيطة كافية لإقرار القانون أم أن إقراره يتطلب الإجماع عليها. وكان نواب من المكون المسيحي ونواب آخرون قد اعترضوا عليه معتبرين أنه يتنافى مع مبادئ حقوق الانسان .
بيان للمعترضين
وأصدر عدد من النواب المعترضين بياناً مشتركاً جاء فيه إن "قراءة قانون المحكمة الاتحادية العليا أثار جدلاً كبيراً في عدة اوساط برلمانية ومدنية وحقوقية، وقد يؤدي تمريره الى خلق اشكاليات جديدة تؤثر على التماسك المجتمعي في البلاد وتفرض إرادة الاغلبية على الآخرين." وأضاف البيان إن "القانون يؤسس لدولة دينية ويفرض دين الأغلبية على جميع أطياف العراق، ألأمر الذي سيُسبب غبْناً كبيراً على المكونات الدينية الاخرى". وتساءل النواب في بيانهم إن كان من المعقول "أن يتم تشريع قانون المحكمة الاتحادية دون مراعاة للتنوع الموجود في البلد،" مضيفاً " ألا يجب ان يكون اختيار قضاة المحكمة الاتحادية من الأشخاص الذين يمتلكون كافة مؤهلات النزاهة والمهنية والكفاءة، أم أن سياسة الاقصاء وتهميش الآخرين لاتـزال موجـودة لحد الآن؟".واعتبر البيان أن بعض مواد القانون "غير منصفة لحقوق المكونات في تمثيلهم ضمن الهيئة القضائية للمحكمة"، داعياً الأوساط الثقافية والمجتمع الدولي للتضامن مع مطالبهم "في التمثيل ضمن الهيئة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا وبصورة عادلة".
إن هذا قانون المحكمة الاتحادية يعمل على ترسيخ المحاصصة المقيتة وسيكون طلقة الرحمة للمحكمة الاتحادية التي تُعتبر صمام الأمان لهذا الشعب المظلوم
رسالة من كربلاء
وبينما كان النواب يناقشون إقراره كان عدد من المحتجين قد تجمعوا في محافظة كربلاء في وقفة احتجاجية، للتعبير عن رفضهم للمشروع وإيصال رسالة مفادها أنهم يرفضون قانوناً يضم نصوصا "تضمن ترسيخ المحاصصة والطائفية". ورفع عشرات المحتجين أمام مبنى الحكومة المحلية في كربلاء لافتات تندد بالقانون متهمين الأحزاب السياسية باستغلاله خدمة لمصالحهم. وصدر عن التجمع بيان جاء فيه إن هذا القانون يعمل على "ترسيخ المحاصصة المقيتة وسيكون طلقة الرحمة للمحكمة الاتحادية التي تُعتبر صمام الأمان لهذا الشعب المظلوم". وطالب بيان المحتجين بالتراجع عنه وتأجيل مناقشته إلى الدورة النيابية القادمة، على أن يكمل نصاب المحكمة من القضاة.
وكان خبراء قانونيون قد حذروا من مساع لبعض الكتل السياسية لإشراك من يصفوهم ب "فقهاء الشريعة" في المحكمة الاتحادية معتبرين أن ذلك يشكل خطراً على استقلالية القضاء ومخالفاً لأحكام المادة 88 من الدستور. وتنص هذه المادة على استقلالية القضاء وليس لأحد سلطة عليهم، معتبرين ان إقحام هؤلاء في المحكمة يعني أن نظام المحاصصة تسلل إلى المحكمة وسيفرض نفسه عليها، الأمر الذي يتعارض مع استقلالية القضاء.