عندما فُرِضَ الحصار الاقتصادي على العراق بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 لعام 1990 مُنع من استيراد المواد الغذائية والأدوية والمواد الصحية والمواد الأولية التي تدخل في مختلف مجالات الصناعة والزراعة كما منع من تصدير نفطه، عماد اقتصاده الأساسي. وفي عام 1995صدر عن مجلس الأمن القرار المرقم 986 الخاص ببرنامج النفط مقابل الغذاء سمح بموجبه للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، لشراء الاحتياجات الأساسية. وفي ظل الحصار الاقتصادي ولضمان بقاء الإنسان على قيد الحياة استحدث نظام البطاقة التموينية حيث كانت البطاقة تضم أكثر من عشرٍ من المواد الغذائية والأساسية الأخرى، واستمر العمل بها بلا توقف حتى الاحتلال عام 2003 عندما بدأ الدعم الحكومي للبطاقة التموينية بالتراجع تدريجياً وتقلصت مفرداتها إلى ما بين مفردتين إلى أربع مفردات بنوعيات رديئة وأحياناً غير صالحة للاستخدام البشري رغم عودة النفط العراقي إلى التدفق بعيداً عن نظام النفط مقابل الغذاء ورغم تضاعف أسعار النفط. وبحسب عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية مازن الفيلي، فإن التخصيصات المالية لمفردات البطاقة التموينية تضاعفت عن السابق لتتجاوز تريليون دينار، لكن مع ذلك شكا مواطنون من أن ما يصلهم من مفردات الحصة التموينية القليلة والرديئة يصل متقطعاً أيضاً، وبحسب تصريح المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون فإن وزارته وزعت خلال العام الماضي حصصاً لعشرة أشهر فقط ، وعلق مواطنون على هذا التصريح بالقول "إذا كانت وزارتكم قد وزعت فقط حصص 10 أشهر بدل 12 فأين ذهبت حصص الشهرين المتبقيين وقد استلمت الوزارة تخصيصات لسنة كاملة؟"
إن مجلس الوزراء قرر حجب البطاقة التموينية عن فئات محددة اعتباراً من الأول من حزيران/يونيو القادم.
من محاولات الإلغاء الى التقليص
وشهدت السنوات التي أعقبت الاحتلال محاولات عديدة لإلغاء هذه البطاقة أو استبدالها بمبلغ مالي. وقرر رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلغاء البطاقة التموينية واستبدالها بمبلغ 15 ألف دينار شهرياً لكنه تراجع عن قراره بعد موجة من الاعتراضات من مختلف الأوساط الشعبية. ومؤخراً قررت الحكومة حجبها عن بعض الفئات التي اعتبرتها "غير مستحقة". وأوضح وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي في بيان إن مجلس الوزراء قرر حجب البطاقة التموينية عن فئات محددة اعتباراً من الأول من حزيران/يونيو القادم. وحدد البيان هذه الفئات ب"أفراد الأسرة غير المتزوجين الذين يزيد مجموع دخلهم الشهري عن مليون ونصف المليون دينار والمقاولين المصنفين حتى الدرجة السادسة وأصحاب الشركات المسجلين في دائرة تسجيل الشركات والمسجلين في اتحادات الغرف التجارية حتى الدرجة الثانية، والصناعات حتى الفئة الثالثة، واتحاد رجال الأعمال، فضلاً عن نقابة الأطباء، وأطباء الأسنان، ونقابة الصيادلة"، مضيفاً أن القرار يشمل أيضاً "الأفراد الذين لديهم تحاسب ضريبي أكثر من 18 مليون دينار سنوياً، والمسافرين خارج العراق ولمدة تزيد عن (3) أشهر والمقيمين خارج البلاد والعراقيين الذين يحملون جنسية البلد المضيف، فضلاً عن نزلاء السجون والهاربين من العدالة".
فساد بوجود البطاقة وفساد بحجبها
وحال صدور قرار الحجب انقسم أعضاء البرلمان بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة فيما دعا آخرون لاستبدال المفردات ببدل نقدي مجزي. ورصدت وسائل إعلام تذمراً شعبياً من استغلال هذا الموضوع الحيوي لمزايدات سياسية، وعبر مواطنون عن اعتقادهم بوجود دوافع مريبة تجعل المعارض معارضاً والمؤيد مؤيداً، فيما يبقى المواطن في حالة قلق وشكوك من أن تكون هناك صفقات فساد خلف أي من هذه الحلول انطلاقاً من تجارب سابقة مع الحكومة والبرلمان، منها ما وصل إلى القضاء دون أن تكون هناك نتيجة تذكر. وكان وزير التجارة الأسبق والقيادي في حزب الدعوة عبد الفلاح السوداني قد خضع لاستجواب لجنة النزاهة البرلمانية بسبب عقود خيالية لتوريد مواد غذائية لحساب وزارة التجارة تبين أنها غير صالحة للاستهلاك البشري، ولتوقيعه عقوداً وهمية بمشاركة أفراد من عائلته، وتهم أخرى، ليحال إلى القضاء ويحكم عليه بالسجن إحدى وعشرين سنة، لكن المحكمة أفرجت عنه لاحقاً. ونُقل عن حيدر نوري جبر الذي شغل منصب معاون مدير عام دائرة التخطيط والمتابعة عام 2011 أن الحكومة قامت آنذاك بإصدار 34 مليون بطاقة تموينية عندما كان عدد نفوس العراق 29 مليوناً. وشغلت فضيحة إصدار 5 ملايين بطاقة وهمية حيزاً كبيراً من اهتمام وسائل الإعلام في ذلك العام.
شكل غياب هذه المواد الغذائية عبئاً مضافاً يثقل كاهل المواطن في ظل مستويات فقر مرتفعة
مناسبة للمزايدات
وكانت النائبة عن كتلة بدر النيابية وفاء الشمري قد أكدت في مؤتمر صحفي عقدته بهذا الخصوص، أنها لن تصوت على حجب البطاقة التموينية عن الفئات المذكورة في قرار مجلس الوزراء معتبرة أن مواد القرار المتعلقة بالبطاقة التموينية "كارثية" لأن المادة 46 تضمنت حجب البطاقة التموينية عن الشرائح التي تتقاضى رواتب أكثر من مليون ونصف المليون شهرياً.
وتقدم عدد من النواب بمشروع قانون يقضي بتعويض المواطنين بمبالغ مالية بدل مفردات البطاقة التموينية. وبرر هؤلاء النواب مطالبهم بأنها تحد من تفشي فايروس كورونا لأنها تعمل على تحديد حركة المواطنين خلال فترة حظر التجوال حسب زعمهم. ووفقاً لوثائق تداولتها وكالات الأنباء فإن 50 نائباً وقعوا على مقترح المشروع كانت من بينهم النائبة المذكورة.
وشكل غياب هذه المواد عبئاً مضافاً يثقل كاهل المواطن في ظل مستويات فقر مرتفعة. وبحسب أرقام رسمية أوردها المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، فأن أكثر من 12 مليون عراقي هم تحت خط الفقر الذي بلغت نسبته في العراق عام 2020 نحو 30%