قال مسؤولون أمنيون في وزارة الداخلية، إن الشرطة المجتمعية تبذل جهوداً كبيرة لمكافحة ظاهرة الإبتزاز الإلكتروني، التي شهدت نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة، وتحولت إلى شبكات تعمل بشكل منظم. وتعلن الجهات المختصة بشكل دوري عن إلقاء القبض على عناصر من هذه الشبكات في بغداد والمحافظات، وإنقاذ ضحايا من الوقوع في حبائل عصابات استدرجتهم بواسطة مواقع التواصل الإجتماعي. واعترف مسؤول أمني بتنامي جرائم الإبتزاز الألكتروني، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية لتشكيل قسم خاص بمكافحتها. وقال الباحث الاجتماعي محمد العارضي إن هذه الظاهرة أصبحت مقلقة وتهدد استقرار الأسرة العراقية بشكل خطير، مشيراً إلى وجود عدة عوامل تقف وراءها، منها "الفوضى التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي، ووجود أعداد كبيرة من الشباب الذين أصبحوا يتقنون عمليات الابتزاز، وضعف التوعية المجتمعية، وسماح بعض الأسر لأولادهم وبناتهم باستخدام مواقع التواصل دون رقابة"، مؤكداً على "ضرورة وجود سياسات حكومية جادة للحد من هذه الظاهرة". وعبر مراقبون عن قناعتهم، بأن ما يجري ليس مجرد أعمال فردية، بل أن هناك عصابات تعمل على الإيقاع بالضحايا واستغلالهم في نشاطات مشبوهة، وأن هناك متنفذين قد يلعبون دوراً في التسترعليها، لارتباطهم بعلاقات مع تلك العصابات.
أحد المبتزين يدير شبكة من خارج العراق تقوم بهذه الأعمال، قام باستهداف أكثر من 250 فتاة، عندما اخترق هواتفهن
ظاهرة متنامية
وذكرت مصادر رسمية إن "جرائم الابتزاز تسجل بصورة يومية". وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت الشهر الجاري عن عدة محاولات للابتزاز الإلكتروني، منها محاولتان قام بهما شخصان ضد فتاتين، تابعتهما الأجهزة المختصة بعد ورود شكاوى للشرطة المجتمعية. وسبق ذلك ثلاث محاولات قالت الشرطة المجتمعية إن اثنتين منها في بغداد، والثالثة في محافظة الديوانية. وكان رجل وزوجته قد حاولا ابتزاز فتاة في بغداد بعد أن استدرجاها وهدداها بنشر صورها على مواقع التواصل إن لم تدفع لهما مبلغاً كبيراً من المال. وأكدت هذه المصادر إن "أحد المبتزين يدير شبكة من خارج العراق تقوم بهذه الأعمال، قام باستهداف أكثر من 250 فتاة، عندما اخترق هواتفهن". لكنها أشارت لوجود وعي متنام بعدم الخضوع لطلبات المبتزين، واللجوء بدل ذلك للجهات الرسمية. ويحاول ناشطون محاربة هذه الظاهرة، بإنشاء صفحات على مواقع التواصل، تقدم نصائح في كيفية تجنب مثل هذه المحاولات، وكيفية التعامل معها في حالة حدوثها. وذكر أحد هؤلاء الناشطين إنه قرر "القيام بشيء مفيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بدل انتظار إجراءات الجهات الرسمية"، التي لا يجدها مجدية في جميع الحالات، وأن "كثيراً من مستخدمي مواقع التواصل هم من شريحة صغار السن، وعديمي الخبرة بمثل هذه الأمور، وعلينا أن نعمل على منع وقوع الكارثة بدل أن ننتظر حدوثها، ثم نبحث عن حلول لها"
قتل وانتحار
وتبرز شريحة النساء في مقدمة الشرائح المستهدفة، حيث تمثل هدفاً سهلاً للعصابات المتخصصة بهذا النوع من الجرائم، وقد تستخدم العصابة صوراً مركبة أو مقاطع مفبركة تهدد بها الضحية، التي تجد نفسها مضطرة لتنفيذ رغبات العصابة، خوفاً من تنفيذ تهديدها. وفي مجتمع محافظ كالمجتمع العراقي قد لا تتهاون الأسرة مع تورط ابنتهم بمثل هذه القضايا تحت أي ظرف، الأمر الذي أفرز حوادث عنف أسري وصلت إلى القتل أحياناً. وفي آذار الماضي روت ضحية قصتها لإحدى الصحف، وهي تعيش حالياً في دار لضحايا العنف المنزلي بالقول، إنها لم تتمكن من العودة إلى بيتها خوفاً من تعرضها لعقوبة قد تصل إلى القتل من جانب أسرتها. وأضافت إن أحد الأشخاص اخترق حاسوبها وحصل على صور شخصية لها، واستمر بتهديدها لثلاثة أشهر متواصلة، إن لم تخضع لرغباته. وقالت إنها تعاني من صراع نفسي لعدم اقتناع أسرتها بأن جهاز الحاسوب الخاص بها قد تعرض للإختراق من شخص منحرف دون علمها، حيث سرق صورها الخاصة وبدأ بتهديدها، رغم أن الشرطة المجتمعية أثبتت لهم ذلك. وسجلت الدوائر الرسمية العام الماضي حالات إنتحار في عدة محافظات بضمنها المحافظات الشمالية لفتيات تعرضن للإبتزاز الألكتروني ولم يستطعن التخلص من حبائل هذه العصابات. ويقول أخصائي البحث الإجتماعي محمد الباسم، إن "الابتزاز يشكل ضغطاً هائلاً على الضحية، خاصة إذا كانت امرأة في مجتمع محافظ"، مؤكداً أنه في بعض الأحيان "تكون الوصمة الاجتماعية أو خيبة أمل الأهل أو حتى رد فعلهم العنيف أكثر رعباً، من فكرة الموت انتحاراً"
جرائم منظمة تقوم بها عصابات يديرها متخصصون في اختراق الحسابات الألكترونية والهواتف النقالة، لابتزاز ضحاياهم، أو لتجنيدهم للعمل في شبكاتهم متعددة الإهتمامات
عصابات منظمة
وعندما تعجز الضحية عن الخروج من المأزق وتجنب التعرض لفضيحة، وتسقط في حبائل الجهة المبتزة، تجد نفسها أمام معاناة من نوع جديد، تتمثل بتنفيذ أوامر هذه الجهة، وهي معاناة لا يمكن مقارنتها بمعاناتها لو أنها قاومت التهديد مهما تكن النتائج، حيث أن حوادث الابتزاز الألكتروني في العراق لم تعد مجرد معاكسات يقوم بها شباب منحرفون أو مراهقون لاهون على مواقع التواصل الإجتماعي، بل أصبحت جرائم منظمة تقوم بها عصابات يديرها متخصصون في اختراق الحسابات الألكترونية والهواتف النقالة، لابتزاز ضحاياهم، أو لتجنيدهم للعمل في شبكاتهم متعددة الإهتمامات، والتي تتراوح بين الدعارة والتسول وتجارة الأعضاء البشرية وترويج المخدرات والإبتزاز المالي وغيرها. ولا يقتصر الأمر على ابتزاز النساء بل يتعدى ذلك إلى المراهقين وحتى الرجال. وتحتمي بعض هذه العصابات بأحزاب وميليشيات مسلحة ومتنفذين، لحمايتهم من العقوبة.