لم تعد خطورة شيوع السلاح بين المدنيين منطوية على احتمالية استعماله في نزاعات عائلية أو لارتكاب جرائم فردية، رغم أهمية هذا الموضوع، بل أنه وبسبب حجمه الكبير خارج سيطرة الدولة، بات يلعب دوراً في سلب موارد الدولة، من خلال الاستيلاء بطريقة أو بأخرى على هذه الموارد بقوة السلاح، الذي تمتلكه المجاميع المسلحة وتتاجر به أيضاً، ناهيك عن استخدامه في تهديد أمن المدنيين، فلم يعد خافياً على أحد أن هذه المجاميع تسيطر على المنافذ الحدودية، الرسمية منها وغير الرسمية، ونقاط التفتيش، وتستخدم هذا السلاح في السيطرة على الآبار النفطية وغيرها من الموارد الاقتصادية، وفي حماية قوافل الشاحنات التي تهرب النفط والمخدرات والأسلحة وغيرها من الممنوعات. وأصبح انتشار السلاح بين شرائح المجتمع يشكل خطراً جسيماً على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وجعل من الدولة مجرد كيان ضعيف لا يمكنه التحكم والسيطرة، ويرى خبراء أمنيون أن البلاد لن تنعم بالأمن والاستقرار، مالم تتم السيطرة على هذا السلاح.
ونتيجة لهذا الانفلات صارت للسلاح أسواق علنية في بغداد والمحافظات، ويباع على الأرصفة كما تباع أي سلعة أخرى، ويمتلك تجاره و مروجوه حسابات على مواقع التواصل للترويج لهذه التجارة، رغم صدور قوانين تحرم حيازتها.
تخصص المزورون بأصناف عديدة من عمليات التزوير، فمنهم من تخصص بتزوير شهادات الجنسية وبجوازات السفر فيما فضل آخرون العمل باستخراج الوثائق ومنهم من تخصص بتجارة الأسلحة.
سوق مريدي
لا يعتبر سوق مريدي الوحيد في بغداد الذي تجري فيه عمليات بيع وشراء الأسلحة، لكنه أكبرها، وقد اشتهر سوق مريدي الواقع في ما يعرف "بمدينة الصدر" منذ زمن مبكر بعمليات تزوير الوثائق الرسمية والشهادات، وتزوير دفاتر الخدمة العسكرية قبل الاحتلال، لكن هذه العمليات كانت تجري في الخفاء، أما الآن وبعد أن اصبح تجاره يتمتعون بحرية كاملة في عملهم تحت حماية متنفذين، خاصة بعد إضافة أنواع جديدة من الممنوعات، ومنها الأسلحة، وبعد دخول برامج التصميم الالكتروني وأدوات صنع الأختام، فقد تخصص المزورون بأصناف عديدة من عمليات التزوير، فمنهم من تخصص بتزوير شهادات الجنسية ومنهم من تخصص بجوازات السفر فيما فضل آخرون العمل باستخراج الوثائق الدراسية أو وثائق عقود العمل الخاصة برجال الاعمال، ومنهم من تخصص بتجارة الأسلحة. وتجولت كاميرا قناة "دويتشه فيلا" في هذا السوق لترصد عمليات بيع السلاح فيه، وجاء في تقرير القناة الألمانية أنه "في وسط النهار وأمام عامة الناس ولمن يريد، يعرض الباعة في هذا السوق الشعبي على الأرصفة، أنواعاً من السلاح بينها صواريخ وقذائف هاون وبنادق كلاشنكوف، وكأنهم يبيعون خضاراً أو فواكه أمام المارة" مضيفاً أن "هذا السوق الشعبي يبيع السلاح والوثائق والشهادات المزورة ايضاً ، وتتميز منطقته بالنفوذ العشائري، مما يجعله في منأى عن مداهمات الأجهزة الأمنية"، بحسب مقابلات أجراها مراسل القناة مع باعة وصحفيين في بغداد. وقال الصحفي صهيب الفهداوي لمراسل القناة أن "السوق يبيع حالياً الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والأسلحة البيضاء بشكل علني في الشارع" مؤكداً "أن الحكومة لم تحاول إيقاف هذا السوق، أو ملاحقة الباعة."
الحكومات السابقة والحالية لم تستطع حصر السلاح المنفلت بيد الدولة رغم صدور العديد من القوانين
أصناف السلاح
وتنقسم الجهات التي تمتلك السلاح ، الرسمي وغير الرسمي في العراق إلى عدة أقسام، يتسرب السلاح منها جميعاً إلى السوق المحلية في بغداد والمحافظات. وبحسب تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى، فإن أشهر هذه الأقسام هو "سلاح الدولة" الذي تمسك به المؤسسات العسكرية والأمنية المؤتمرة بإمرة القائد العام للقوات المسلحة شكلاً، ولكن من الناحية الفعلية فأن معظم هذه المؤسسات ينخرها الفساد وتعمل طبقاً للولاءات الحزبية" ، ثم سلاح الفصائل التي لا تتردد عن تحدي الدولة في أي لحظة، إذا لم يتفق اتجاه الدولة مع اتجاهها، ويؤكد التقرير ولاء هذه الفصائل لإيران، وأنها تعمل خارج سلطة الدولة، بل وتستخدم هذا السلاح ضدها أحياناً، وسلاح العشائر وهي جميعها مسلحة، ويتفاوت نوع ومستوى التسليح من عشيرة إلى أخرى، وتقع صدامات ومواجهات مسلحة بين هذه العشائر بين حين وآخر، حيث تستخدم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بل وحتى الثقيلة أحياناً، ثم "السلاح المنفلت،" والذي يتجمع لدى الأفراد ويباع ويشترى علناً في الأسواق، ويضم كماً هائلاً من السلاح الخفيف، المرخص وغير المرخص، وكميات لا يستهان به من الذخيرة والعتاد، وينتشر بين المواطنين المدنيين. وعدد التقرير أقساماً أخرى من الجهات التي تمتلك السلاح، منها " سلاح البيشمركة" الذي ينقسم بين الحزبين الرئيسيين، الديموقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني، رغم ارتباط البيشمركة شكلياً برئيس الإقليم ، وبالطبع فإن هذا السلاح يمكن أن يستخدم هو الآخر ضد السلطة المركزية كما حدث في كركوك وضواحيها سنة ٢٠١٧، بحسب تقرير المعهد.
حجم السلاح المنفلت
ويرى الدكتور معتز محيي عبد الحميد، مدير المركز الجمهوري للدراسات الأمنية والاستراتيجية في العراق، إن بعض النزاعات العشائرية يستخدم فيها السلاح الحربي وليس السلاح العادي البسيط، مؤكداً في حديث صحفي إن "الحكومات السابقة والحالية لم تستطع حصر السلاح المنفلت بيد الدولة رغم صدور العديد من القوانين"، التي لم تطبق حتى الآن، وإنما "تحول الأمر إلى فوضى في استخدام السلاح، خصوصاً في المناطق الجنوبية كالبصرة وميسان وغيرها، التي تستخدم فيها كافة المعدات العسكرية والحربية".
ووفق تقارير أمنية رسمية، فان اكثر من 30 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، أصبح قسم كبير منها سلعة للتجارة، فضلاً عن كونه أداة للقتل . ويعاقب القانون الذي سن عام 2017 بالسجن من سنة إلى سبع سنوات، وبغرامة (لا تزيد عن ألف دينار) كل من حمل أسلحة نارية أو عتاداً بدون إجازة من السلطات المختصة، لكن هذا القانون لم يطبق على أرض الواقع حتى هذه اللحظة.