ظاهرة العنف في العراق .. من التعذيب "الرسمي" إلى العنف الأسري  

hozaya
16 تشرين الأول، 2021

بعد أيام من انتشار المقطع المصور الذي هز الرأي العام العراقي، والذي ظهر فيه رجل يعذب إبنه بوحشية، عُثر على جثة طفلة في الخامسة من العمر وعليها آثار تعذيب وخنق، بحسب المقدم عزيز ناصر الناطق الرسمي باسم هيئة رعاية الطفولة في وزارة العمل والشؤون الإجتماعية. وقبل ذلك أعلن مصدر أمني مسؤول عن إقدام شخص على قتل زوجته ووالدها أمام أولاده في محافظة القادسية. وألقي القبض العام الماضي على امرأة ألقت بطفليها من أحد الجسور في نهر دجلة. وقد تبدو جرائم العنف الأسري قابلة الحدوث في أي مجتمع، لكن نظرة سريعة لحجم وطريقة ارتكاب هذه الجرائم، تؤشر ظاهرة غير مسبوقة في المجتمعات الإنسانية تدعو للدراسة والتأمل، فقد اعترف مجلس القضاء الأعلى مؤخراً بتسجيل (1543) حالة عنف أسري خلال ثلاثة أشهر في محكمة استئناف الرصافة لوحدها، منها 5 حالات ضد أطفال و(89) ضد كبار السن، بينما تعرضت النساء للنسبة الأكبر مسجلة (1449) حالة. وأوردت الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية 15 ألف حالة عنف أسري سجلت عام 2020 ، مقابل 17 ألف حالة في عام 2017. فما الذي أسقط المجتمع العراقي في هذه الهاوية، رغم ما عرف عنه من التزامه بقيم العفو والتسامح؟  

 الأجهزة الأمنية وعناصر الميليشيات تمارس العنف في السجون ومراكز الإعتقال و المناطق التي تقع تحت سيطرتها دون حسيب أو رقيب

العنف الأسري والعنف المجتمعي 

وأكد حقوقيون أن الأرقام الرسمية لا تمثل أكثر من 10% من الأرقام الحقيقية، حيث أن الكثير من هذه الجرائم لا يتم تسجيلها، خاصة في القرى والأرياف. وفيما يتعلق بالعنف ضد النساء تقول الناشطة نورة العبيدي، إن "العدد المسجل هو أقل بكثير من الأعداد الحقيقية، لأن أغلبية النساء المعنفات يحجمن عن تقديم شكاوى بسبب الضغوط العائلية التي تجبرهن على قبول الصلح". وأحصت إحدى المنظمات النسوية 9 آلاف حالة عنف أسري أغلبها ضد النساء، مؤكدة أن هناك ما يزيد على 250 حالة في بغداد لوحدها، لم تخطر بها السلطات. وتتراوح شدة هذه الممارسات بين التعنيف النفسي والجسدي والقتل والتمثيل بالجثث.

وتنوعت مظاهر العنف في العراق بعد الإحتلال، فبالإضافة للعنف "الرسمي" الذي تمارسه الأجهزة الأمنية وعناصر الميليشيات في السجون ومراكز الإعتقال، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرتها دون حسيب أو رقيب، اجتاحت المجتمع العراقي ظاهرة العنف المجتمعي، والعنف الأسري. وكشفت دراسة نشرت العام الماضي عن علاقة طردية بين ارتفاع حالات العنف الأسري وبين "وجود عنف هيكلي داخل المنظمات والمؤسسات الاجتماعية،" 

العنف والمخدرات

من ناحية أخرى يرى مدير حماية الأسرة في وزارة الداخلية، العميد علي محمد سالم في تصريحات صحفية، إن سبب ارتفاع حالات العنف الأسري يعود إلى "الشك الذكوري والمشكلات الاقتصادية وتعاطي الكحول والمخدرات"، وأكد سالم أن بالإضافة للعنف الجسدي هناك العنف النفسي والجنسي الذي يحدث داخل الأسرة، ويشمل الضرب والمتاجرة بالمرأة.

ولم تكن هذه الظواهر ومنها تعاطي المخدرات معروفة بهذا الحجم في المجتمع العراقي قبل الإحتلال، لكن بياناً لمجلس القضاء الأعلى نقل مطلع أيار/مايو الماضي عن قاضي محكمة تحقيق المسيب في محافظة بابل نبيل الطائي قوله، إن "نسبة الإدمان قد تصل إلى 50% بين الشباب، لكن هذا الأمر غير مكتشف بشكل رسمي". حسب تعبيره 

وعن الفئات العمرية التي يتم توريطها بتعاطي المخدرات، ترى  رئيسة منظمة "عراق خالٍ من المخدرات" إيناس كريم، إنها تتراوح "بين 15 و35 سنة، إلا أن النسبة الأكبر في مراكز علاج الإدمان تنحصر بين عمر 17-25 سنة". 

وأشرت تقارير صحفية تقصيراً واضحاً في ملاحقة كبار تجار المخدرات، لارتباطهم بجهات سياسية نافذة وميليشيات مسلحة. وتعتبر إيران الطرف الداعم لهذه الميليشيات، المصدَر الأكبر للمخدرات في العراق.

بذور غرسها الإحتلال

ولا يمكن تخيل هذه الظواهر الغريبة على المجتمع العراقي، بعيداً عن السلوك الهمجي الذي مارسه الإحتلال، إبتداء من جرائمه داخل وخارج سجن أبو غريب، وأساليب التعذيب التي انتهجها، والتي أورثها للميليشيات والأجهزة الأمنية من بعده، ثم انتقلت إلى المجتمع والأسرة العراقية، دون أن تهز ضمير الحكومات المتعاقبة والقضاء البرلمان العراقي. فحتى الآن لم تستنكر أي من هذه المؤسسات جرائم الإحتلال، ومنها على سبيل المثال الجريمة البشعة التي ارتكبها خمسة من أفراد الفرقة 101 المنقولة جواً، عندما اغتصبوا طفلة في قضاء المحمودية آذار عام 2006، ثم قاموا بقتلها وإحراقها مع والديها وأختها (5 سنوات). وبحسب تعبير كاتب عراقي، فإن "الضمير الرسمي عندما يصمت عن جريمة بهذا الحجم، يصبح العنف المنزلي بالدرجة الثانية من الأهمية، فهناك جرائم أكبر ترتكب كل يوم". وعدد الكاتب نماذج من هذه الجرائم التي تحاكي فعلة جنود الفرقة 101، منها اختطاف عدد من الشباب لطفلة في البصرة  في الخامسة من العمر واغتصابها ثم شنقها، وحادثة الطفلة بنين (4 سنوات) التي قتلها مغتصبها ومثل بجثتها، وجريمة اغتصاب وذبح طفلة (7 سنوات) في حي المعالف ببغداد قام بها شاب في الثامنة عشرة ودفنها خلف دكانه، وجرائم كثيرة أخرى حدثت بعد كشف جرائم الإحتلال ومنها مجزرة المحمودية. وأكد الكاتب أن الاحتلال "اكتفى بزرع البذرة وترك الباقي للميليشيات ولقوى الأمن التي دربها، لتكمل الطريق وتنتقل من المعتقلات إلى الشوارع ثم البيوت، في ظل انتشار المخدرات التي صارت تزرع داخل العراق في مزارع تحت حمايتهم.

من ناحيته أضاف الكاتب "عبد القادر أبو عيسى" بعداً آخر لانتشار هذه الظاهرة، في مقال له عن "طبيعة العنف المجتمعي في العراق وأسبابه" بقوله، إن ما تعرضت له النساء والأطفال من النازحين والمهجرين منذ بداية الاحتلال بعد تغييب الرجال، وكذلك قتل واختطاف النساء المشاركات في التظاهرات السلمية، هي أنواع أخرى من العنف ضد المرأة، متسائلاً :"من يقوم بهذا العنف المنظم، أليست الميليشيات الفاعلة في الدولة والحكومات العراقية المتعاقبة، وبعلم الدولة المحتلة للعراق أمريكا، وإيران الحاكمة له؟"  

2 ديسمبر، 2023
الفساد وضعف الموازنة.. كيف تراجع الواقع التربوي؟
21 فبراير، 2021
بعد 10 سنوات على إبرامها .. جولات التراخيص النفطية تفقد العراق ثلث وارداته
2 نوفمبر، 2022
أصبح محطة لغسيل الأموال .. منظمات دولية تضع العراق بين أفسد 6 دول حول العالم
15 مايو، 2018
انتاج الحبوب .. فشل جديد يؤهل العراق الى صدارة الدول المستوردة
22 أكتوبر، 2017
مواطنون كورد : الحشد الشعبي كرر سيناريو جرف الصخر مع منازلنا وممتلكاتنا في طوزخرماتو
23 يوليو، 2022
بعد التسريبات الصوتية.. المالكي بين خياري الحرب الأهلية ومنصة الإعدام
21 سبتمبر، 2019
مقبرة في النجف تثير الجدل: الفساد يلاحق الموتى
24 نوفمبر، 2023
كلاوات المرشحين.. خدمة الشعب وسيلة ترويج انتخابي
9 ديسمبر، 2019
#يقتلوننا_بالعراق.. منتفضون يستنكرون جرائم الحكومة
28 أكتوبر، 2019
مصير مجهول وملفٌ شائك لمليون ونصف نازح داخل العراق
13 سبتمبر، 2017
العنف ضد الأطفال في المدارس...وتأثيره على التعليم
3 أكتوبر، 2023
في ذكرى انتهاء الانتداب البريطاني.. سيادة العراق بين الأمس واليوم
menu-circlecross-circle