تطورات إقليمية ودولية تدفع إيران لتغيير أساليبها في إدارة ميليشياتها في العراق 

hozaya
30 تموز، 2021

التحركات العسكرية الأمريكية والبريطانية في المياه الدافئة جنوب إيران، والتطورات الأخيرة في أفغانستان شرقها، وحالة الإحباط حيال عدم إحراز تقدم يذكر في مفاوضاتها النووية، يضاف إلى ذلك فقدانها للعديد من قادتها العسكريين وفي مقدمتهم قاسم سليماني، وتنامي حركة الإحتجاج الشعبي العراقي ضد مشروعها على أرضه، ألقت بظلالها على وجودها العسكري في العراق، المتمثل بالميليشيات التابعة لها، ودفعها لاتباع أساليب جديدة في عمل وإدارة هذه الميليشيات، لضمان استمرارية سيطرتها على المشهد العراقي سياسياً وعسكرياً، وتثبيت أركان مشروعها فيه. وبحسب تقارير دولية فإن هذه الأساليب تتمثل بتأسيس وحدات سرية مصغرة، عالية التدريب وسهلة الحركة، منتقاة من عناصر من ميليشياتها، للقيام بمهام محددة تناط بها. وتناقلت مصادر صحفية الشهر الماضي، أخباراً مفادها أن ايران انتقت مئات العناصر شديدة الولاء لها من بين ميليشياتها في العراق، لتشكل منها مجاميع سريّة صغيرة أسمتها "عناصر النخبة"، وتلقت هذه المجاميع تدريبات على استخدام طائرات "الدرونز"، تحت إشراف ضباط من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، فيما أكدت تصريحات قادة ميليشيات ومسؤولين أمنيين في العراق، ما ذكرته مصادر عسكرية ودبلوماسية غربية؛ حول مسؤولية هذه المجموعات عن هجمات متكررة قامت بها ضد مصالح غربية وأمريكية داخل العراق.

إن قادة هذه المجاميع غير معروفين ، ويتم توجيههم بواسطة ضباط في الحرس الثوري الإيراني مباشرة

تدريبات في لبنان 

وسبق لإيران أن استخدمت هذه الأساليب في بدايات الإحتلال ودخول ميليشيا "بدر" وغيرها من الميليشيات لتقوم بالعديد من الأعمال التخريبية والإغتتيالات، ويحقق الإنتقال إلى هذا الإسلوب لإيران بدل الإعتماد على مجاميع كبيرة غايات متعددة، منها  سهولة مراقبة هذه المجاميع وضمان سريتها وولائها، وصعوبة اختراقها كما يحدث للمجاميع الكبيرة، كما أن انتقاء عناصر محددة يمكن أن يكون أكثر تأثيراً في استخدام التقنيات الحديثة، خاصة الطائرات المسيرة التي نشطت باستخدامها مؤخراً . وأكدت مصادر في الميليشيات هذه المعلومات ، فيما قال ضباط عراقيون يعملون في الأجهزة الأمنية لمصادر صحفية دون الكشف عن أسمائهم، إن "ما لا يقل عن 250 مقاتلاً سافروا إلى لبنان على مدى عدة شهور في سنة 2020، حيث تلقوا تدريبات على يد مستشارين في "الحرس الثوري" و"حزب الله" اللبناني، بشأن كيفية استخدام "الدرونز"، وإطلاق الصواريخ وزرع القنابل، والترويج للهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي." وأكد مسؤول حكومي لوكالة رويترز إن قادة هذه المجاميع غير معروفين ، ويتم توجيههم بواسطة ضباط في الحرس الثوري الإيراني مباشرة، وإن هذه المجاميع متورطة بسلسلة من العمليات، من بينها الهجوم على مطار أربيل، والهجوم على أهداف داخل المملكة العربية السعودية في كانون الثاني/يناير الماضي بطائرات مفخخة دون طيار ، إضافة لاستهداف قاعدة عين الأسد العسكرية في محافظة الأنبار في أيار/مايو الحالي. 

عمليات محددة 

وبحسب تقرير وكالة رويترز الذي جمعت فيه تصريحات لمسؤولين أمنيين عراقيين وعناصر مطلعة داخل الميليشيات، فإن اتباع هذه الأساليب لا يعد تغييراً استراتيجياً بقدر ماهو إسلوب تكتيكي فرضه ظرف راهن ، بمعنى أن إيران مازالت متمسكة بالميليشيات التي تتبعها ، ومنها حركة "النجباء" وعدد من الميليشيات الأخرى ، وبحسب التقرير فإن هذه الميليشيا "تمتاز ببنية تنظيمية أكثر إحكاماً بكثير من "خلايا الكاتيوشا"، ودربت بطريقة تجعلها قادرة على القيام بمهام متعددة، قتالية واستخبارية وأمنية ولوجستية." ويضيف التقرير أن إلى جانب الميليشيات التي تشكل "لبنة رئيسة في مشروع "الحرس الثوري"، هنالك مجموعات أخرى ذات أدوار وظيفية، تمتاز بأنها محددة بوقت معين، ولأهدافٍ آنية قصيرة الأمد، لا تمتلك مقومات التنظيم المتماسك،" تستخدمها إيران عند الحاجة لاستهداف المصالح الأمريكية داخل العراق، لكي تبقى هي بعيدة عن المساءلة، ويؤكد التقرير أن "استهداف القوات الأميركية، عبر عناصر عراقية صغيرة، سهلة التخفي والتفكيك والذوبان، يجعل النظام الإيراني بعيداً عن المحاسبة، ويبعد حلفاءه الكبار عن التعرض لضربات موجعة، وأيضاً يمنحه فرصاً للتذرع بأنه لا يتحمل أي مسؤولية، وأن هذه التشكيلات ليست تحت مظلته."

شكوك إيرانية

ويذهب تقرير "رويترز" إلى أبعد من هذه الأسباب التي دفعت إيران لتشكيل مجاميعها الصغيرة بالقول، إن إيران وبعد مقتل سليماني وتنامي المد الشعبي ضدها وضد ميليشياتها في العراق ، تولدت لديها شكوك ببعض الميليشيات لدرجة جعلتها تعتقد "أن تسريبات من إحدى المجموعات ساعدت فى التسبب بمقتل سليماني"، وأن هذه الميليشيات باتت تعاني من "انقسامات حول المصالح الشخصية والسلطة فيما بينها".

وكانت إيران قد دعمت بشكل مكثف ميليشيات كبيرة مثل "حزب الله"، و "سيد الشهداء"، و"العصائب"، التي تمكنت من نشر الآلاف من عناصرها المسلحة، ومكنتها من الحصول على وضع شبه رسمي ، لكن نوعاً من الفتور شاب هذه العلاقة بسبب الشكوك الإيرانية على ما يبدو، ونقلت الوكالة عن مسؤولين في هذه الميليشيات قولهم "إن الاجتماعات والاتصالات بيننا وبين الإيرانيين قد انخفضت،و لم يعد لدينا اجتماعات منتظمة وتوقفوا عن دعوتنا إلى إيران"، وعزز هذا القول ما صرح به مسؤولون أمنيون وحكوميون عراقيون للوكالة، إن قوة القدس بدأت بفصل النشطاء الموثوق بهم عن الفصائل الرئيسية في غضون أشهر بعد مقتل سليماني.

menu-circlecross-circle