حل إحدى مليشيات الصدر .. بادرة حسن نية أم مناورة سياسية؟

hozaya
1 كانون الأول، 2021

 

في واحد من قراراته المفاجئة والمتناقضة، أعلن "مقتدى الصدر" حل إحدى الميليشيات التابعة لتياره وغلق مقراتها، وهي ميليشيا "لواء اليوم الموعود"، معتبراً خطوته هذه (بادرة حُسن نية). وكان قبل ذلك قد دعا الميليشيات الأخرى لاتخاذ مثل هذه الخطوة، كمقدمة لإنضمامها إلى الحكومة المقبلة.

وأشاد الصدر في مؤتمر صحفي عقده يوم الخميس (18 تشرين الثاني 2021) بالإنتخابات الأخيرة بقوله، إن "العالم شهد بنزاهتها"، محذراً القوى التي خسرتها من أن تكون خسارتهم "مقدمة لإنهاء وخراب العملية الديمقراطية في العراق" حسب تعبيره.

على صعيد متصل قالت ميليشيا "حزب الله" إنها حلت إحدى  تشكيلاتها المسماة "سرايا الدفاع الشعبي" وتجميد أنشطتها وإغلاق مقراتها، تماشياً مع دعوة الصدر.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يقدم فيها مقتدى الصدر على حل إحدى مليشياته ثم يعيد تأسيسها من جديد تحت مسمى آخر، لتمارس نفس الدور الذي مارسته سابقتها من تصعيد طائفي مسلح، انصياعاً للأوامر الإيرانية كما تفعل بقية الميليشيات، على عكس ما يحاول الإيحاء به من استقلالية قراراته عن إيران، بحسب متابعين للشأن العراقي. فبحسب تغريدة ل"ناطق حسين" وهو صحفي مغترب، فإن "الصدر ورغم  محاولاته النأي بنفسه وبمليشياته عن سياسة إيران في العراق وتدخلاتها في شؤوونه، إلا أنه كان يلجأ في كل أزماته إلى إيران التي يمتلك منزلاً فيها، حيث يقضي فيها أشهراً بذريعة "الإعتكاف" أو اعتزال العمل السياسي، لكنه يعود بثوب جديد لممارسة دوره في تأمين وحماية المصالح الإيرانية، ولا يختلف تياره في ذلك عن غيرة من الأحزاب ".

وكان الصدر أول من نعى قائد مايسمى " فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني بُعيد مقتله، ودعا ميليشياته التي حلها الآن للإستعداد للقتال. وجاء في رسالة النعي قوله "إنني كمسؤول عن المقاومة العراقية الوطنية، أعطي أمراً بجهوزية المجاهدين، لاسيما جيش الإمام المهدي، ولواء اليوم الموعود، ومن يأتمر بأمرنا من الفصائل الوطنية المنضبطة، لنكون على استعداد تام لحماية العراق"، وفق ما جاء في تغريدة له.

حل الميليشيات أم دمجها؟

ومع ما توحي به دعوة الصدر من تحجيم لدور الميليشيات، إلا أنها في الواقع لم تكن إلا عملية نقل من قيادة ميليشاوية إلى قيادة أخرى، ففي دعوته لحل بقية الميليشيات طالبها الصدر "بتسليم سلاحها للحشد الشعبي"، الذي مازالت قواته حتى اليوم تستبيح العديد من المناطق في حزام بغداد وفي محافظات أخرى، وترتكب المجازر فيها بدوافع طائفية.

وبالمقابل كانت استجابة ميليشيا "حزب الله" لدعوة الصدر في نفس الإطار، حيث جاء في إعلان "أبو علي العسكري" المسؤول الأمني لما يسمى ب"كتائب حزب الله العراقي"، حول حل تشكيل سرايا الدفاع الشعبي التابع لهذه الميليشيا، أنه قد تقرر "إلحاقهم مع عدتهم وعديدهم بقيادة الحشد الشعبي"، مطالباً هذه القيادة ب"مساواتهم بأقرانهم وتأمين مستحقاتهم"، وفق ما جاء في تصريحه.

وبحسب ما جاء في مقال للباحث المستقل لطيف السعيدي، فإن الحشد الشعبي الذي يدعون لدمج ميليشياتهم به، "أُخرج من المطابخ الإستخباراتية الدولية بمشاركة إيران، ليكون جزءاً من الحرس الثوري الإيراني الطائفي الإرهابي، وليكون بمثابة قنبلة نووية في الشرق الأوسط".

مناورة سياسية

وتابعت وسائل الإعلام ردود فعل الشارع العراقي حول خطوة الصدر وميليشيا حزب الله، المتضمنة دمج بعض فصائلها بالحشد الشعبي. وفي حديث صحفي إعتبر الخبير الأمني "عياد الطوفان"، أن هذه الخطوة لا تعدو كونها مناورة سياسية. وأكد الطوفان، وهو يحمل رتبة عميد ركن متقاعد، إن الفصائل التي تم حلها هي ألوية فرعية مستحدثة، وأن الألوية الأصلية ما تزال ممسكة بزمام الأمور. ورداً على سؤال الصحيفة حول دواعي هذه القرارات من قبل مقتدى الصدر وحزب الله، قال الطوفان إنها جاءت "من قبيل ذر الرماد في العيون، أما الحل الحقيقي فيكمن بتسليم جميع أسلحة الميليشيات إلى الأجهزة الأمنية الحكومية بشكل واضح".

واستطلعت الصحيفة آراء عدد من المواطنين حول هذا الموضوع ، حيث قال "سمير عبد الجبار" وهو مدير إعدادية في تربية الكرخ، "سمعنا من هذه التصريحات الكثير لكن النتيجة واحدة"، متسائلاً "لا أعرف ما الحاجة لكل هذه الميليشيات سواء كانت ضمن الحشد أم خارجه. هل كل دول العالم لديها ميليشيات مسلحة مثلنا أم ماذا؟ ". وحمّلت المواطنة "ابتسام أحمد" الحكومات المتعاقبة مسؤولية السماح بتشكيل المجاميع المسلحة خارج إطار الدولة، وقالت "بعد أن تغولت هذه الميليشيات وأصبحت أقوى من الدولة صاروا يطالبون بحلها. أعتقد أن المسألة تعقدت كثيراً".

من جيش المهدي إلى اليوم الموعود

وكانت ميليشيا جيش المهدي من أوائل الميليشيات التي تأسست بعد الإحتلال في أواخر عام 2003، وبرز دورها بشكل كبير من خلال "فرق الموت"، وأعمال العنف الطائفي التي اجتاحت البلاد في أعقاب تفجيرات سامراء شباط/فبراير 2006 واستمرت حتى 2008 ، تخللها العديد من حوادث الخطف والقتل وتفجير الجوامع وسط هتافات طائفية اعتاد منتسبو الميليشيات ترديدها، وتم تجميد هذه الميليشيا عدة مرات قبل أن يعيد الصدر تشكيلها عقب مصرع قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عام 2020.

وساهمت سرايا السلام التابعة للصدر بدورها في أعمال التهجير القسري ضمن تشكيلات الحشد الشعبي، أبان المعارك التي دارت في عدد من المحافظات بذريعة مقاتلة تنظيم الدولة "داعش"، وكان لها دور في قمع التظاهرات ضد النظام منذ عام 2019، أما "لواء اليوم الموعود" فقد أسسه الصدر في أيلول من عام 2008 ، ثم جمد عمله وأعاده أكثر من مرة. فهل كانت خطوة الصدر الأخيرة بادرة حُسن نية كما يدعي، أم مناورة لإنقاذ نظام المحاصصة الطائفية، الذي وصفه ب"الديموقراطي"؟

 

 

 

 

menu-circlecross-circle