في تحد صارخ للقانون الدولي، إستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في حروبهم ضد العراق مختلف أنواع الأسلحة، منها ذخائر اليورانيوم المنضب، وهو أكثر فتكاً من الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993. ولم تكن هذه القوات مضطرة لذلك بسبب تفوقها الجوي وامتلاكها من الأسلحة أضعاف ما يمتلكه الجيش العراقي كمّاً ونوعاً، خاصة في حرب عام 2003، حيث لم يحصل العراق خلال سنوات الحصار على أسلحة من الخارج لتطوير قدراته العسكرية. ولم يقتصر استخدام هذه الأسلحة على أرض المعركة، بل استخدمتها القوات الغازية في مناطق لم يكن الجيش العراقي موجوداً فيها، كما أن العديد من المناطق البعيدة عن ساحة القتال أصبحت ملوثة بفعل تلوث الهواء والماء، حيث يتحول اليورانيوم المنضب عند الإنفجارإلى مليارات الجزيئات من أوكسيد اليورانيوم التي تنتقل مع الرياح إلى عشرات الكيلومترات، مسببة تلوث المزروعات والمياه، بحسب البحوث المنشورة.
واستمرت حرب الخليج الثانية من 17 كانون الثاني/يناير حتى 28 شباط/فبراير 1991، عندما انتهت بانسحاب غير منظم للقطعات العراقية، نتيجة استهدافها من طيران التحالف خلافاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
أما حرب 2003، فطبقاً لدراسات ميدانية أجنبية ومحلية، في مقدتها دراسة لمركز أبحاث طب اليورانيوم UMRC، فقد ثبت انتشار التلوث الأشعاعي في أرجاء العراق عقب الحرب مباشرة، نتيجة استخدام اليورانيوم المنضب. ونشرت مصادر صحفية نتائج هذه الدراسة التي جاء فيها "أن معدلات الإشعاع المنبعث منه تزيد ما بين 10 – 30 ألف مرة عن الحدود المسموح بها دولياً."
غبار الموت
وأصدر السلاح الطبي الأمريكي عام 1995 وثيقة أكدت بأن التعرض لتأثير ذخائر اليورانيوم المنضب يسبب ارتفاع حالات التشوهات الجنينية وسرطان الدم والرئة والعظام، إضافة لتلف الكبد والكليتين والجهاز المناعي. وفي عام 1996 قام العالم الكندي "شارما Hari Sharma"
بزيارة ميدانية لمحافظة البصرة، توقع في إثرها أن تتسبب الأمراض السرطانية بوفاة 5-12% من الذين تعرضوا لتلك الأسلحة عام 1991، وهو ما حدث بالفعل لعسكريين شاركوا بالحرب، ومدنيين من المحافظة.
ومنذ عام 1998 شكا أطباء عراقيون متخصصون بطب المجتمع، من أن استخدام قوات التحالف لليورانيوم المنضب أدى لارتفاع كبير بحالات التشوه الخَلقي في الولادات وسرطان الدم (اللوكيميا)، حتى بعد مرور سنوات عديدة على الحرب. وأيدت دراسة بريطانية عام 2002 ما ورد في دراسات سابقة، من أن هناك مخاطر صحية من جراء التعرض إلى اليورانيوم المنضب.
واليوم وبعد أكثر من ثلاثين سنة على تلك الحرب مازال هناك 90 موقعاً جنوب البلاد ملوثاً بإشعاعات اليورانيوم، الذي استخدمته قوات التحالف في حربها ضد العراق، وما زالت آثاره الصحية تظهر سواء على المواليد الجدد، أو لدى سكان المناطق القريبة من تلك المواقع
250 قنبلة ذرية
وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، صدرت مئات الدراسات والبحوث والكتب التي تناولت مختلف العواقب الناجمة عن الحرب، ومنها الكوارث الصحية التي حلت بالعراق. ومن بين الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب "التلوث الإشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج" الصادر عن منظمة المجتمع العلمي العربي، الذي تناول تفاصيل دقيقة عن المضاعفات الصحية للتلوث الإشعاعي الناجم عن حروب الخليج في عامي 1991 و2003. وأكد مؤلف الكتاب الدكتور كاظم المقدادي، وهو أكاديمي وباحث طبي وبيئي عراقي، أن اليورانيوم المنضب الذي استخدم في تلك الحروب يعادل في ذريته 250 قنبلة ذرية. وبحسب المؤلف فإن قوات التحالف بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، إستخدمت ذخائر اليورانيوم وجربتها لأول مرة في قتال حقيقي عام 1991 في حرب الخليج الثانية ضد العراق، ثم عادت واستخدمتها في غزوه عام 2003، بقوة تدميرية مضاعفة. وهذا ينطبق مع ما ذكره متخصصون في مجال الأسلحة، من أن الولايات المتحدة طورت في حرب عام 2003 سلاحها، وضاعفت شدته الإشعاعية، وبالمقارنة مع ما استخدمته عام 1991 فقد أصبحت قدرتها التدميرية أقوى بـ 800 مرة، وأصبحت أخطر مصادر التلوث الأشعاعي، مسببة للعراق كارثة بيئية وصحية لا مثيل لها في التأريخ الحديث.
إلى ذلك، أثبتت بعض الدراسات أن آثار اليورانيوم تبقى في المقذوفات المستخدمة والمخلفات الحربية، لما يصل إلى 4.5 مليار عام، وأن موجات الغبار القادمة حالياً من مناطق استخدم فيها اليورانيوم باتجاه المناطق السكانية، وأطلقت عليه تسمية "غبار الموت"، سببت للسكان أمراضاً سرطانية، إلى جانب مشاكل صحية أخرى.
ورغم كل هذه الأدلة، حاولت منظمة الصحة العالمية التقليل من مخاطر استخدام اليورانيوم المنضب في الحرب ضد العراق، بعد إجرائها بعض التقيمات المحدودة عام 2001، بزعمها عدم اكتشاف أي ربط بين اليورانيوم المنضب والتشوهات الخَلقية.
حملة دولية وصمت محلي
وبدلاً من معالجة الكوارث البيئية والصحية التي تسببت بها باستخدام هذه الأسلحة، وتطويق أماكن التلوث وتنظيفها لمنع انتشارها، استمرت الولايات المتحدة بتجاهل هذه المخاطر والتعتيم عليها، مستغلة تغاضي الحكومات التي نصبتها وسكوتها عن المطالبة بأبسط ما يمكن أن يترتب على عدوان بهذا الحجم. ويستمر الصمت الرسمي العراقي مع تواصل جهود دولية تقوم بها الحركات والمنظمات والجماعات المعارضة لاستخدام أسلحة اليورانيوم، والتي تضم أكثر من 168 منظمة من 35 دولة، تمكنت أكثر من مرة من طرح الموضوع على الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وفي عام 2014 صوتت 150 دولة لصالح منع إستخدام وإنتاج ونقل وتخزين أسلحة اليورانيوم وإجراء المزيد من الأبحاث المكرسة لأخطارها، لكنها لم تفلح في تمرير القرار لعدم حصول إجماع عليه. وعزت بعض هذه المنظمات النتيجة لعدم رفع حكومات الشعوب المتضررة دعاوى قضائية ضد مستخدمي تلك الأسلحة.
وجاء في تقرير صحفي محلي أن من "المعيب، بل والمخزي، والمريب، أن يواصل مسؤولون كبار في البيئة والصحة في العراق وفي دول الخليج العربية تجاهل كارثة إستخدام الذخائر المشعة الصحية والبيئية، ويستمرون بكل وقاحة ومع سبق الأصرار، المشاركة الفاعلة في التعتيم والتضليل وتشويه الحقائق، رغم معاناة وموت ضحايا الأسلحة المذكورة يومياً تقريباً أمام أعينهم، وغالبيتهم من الأطفال". ولم يجد التقرير "تفسيراً معقولاً لهذا الموقف غير المسؤول، بل والمستهتر، سوى خيانة الواجب المهني والوطني والأنساني"، بحسب التقرير.