العراق في جائحته السياسية.. ثلاث مشاهد هزلية لمسرحية تراجيدية

hozaya
20 أيار، 2022

يبدو لمتابع مآلات العملية السياسية بعد الإنتخابات الأخيرة، وحالة "السبات الشتوي" الذي غطت فيه منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عبوراً للسبات الصيفي الحالي، أن العملية السياسية في عطلة طويلة بسبب جائحة سياسية، لا أحد يمكنه التكهن بموعد انقضائها، أو ما إذا كانت اللقاحات المقدمة من دول الجوار ستنجح في إنقاذها.

وكان فشلُ مجلس النواب بانتخاب رئيس للبلاد، أو حتى في عقد جلسة الإنتخاب كخطوة أولى للخروج من عنق الزجاجة، قد تكرر أكثر من مرة منذ إعلان نتائج الإنتخابات. وتنص المادة 70/أولاً من الدستور العراقي، على أن "ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بأغلبية ثلثي عدد أعضائه"، كما تنص المادة 76/أولاً على أن "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية."

وأدى الصراع من أجل الفوز بأكبر حصة ممكنة من غنائم المعركة السياسية، إلى انتهاء المدة القانونية المحددة للبرلمان لانتخاب رئيس للجمهورية، في السادس نيسان/أبريل الماضي، تاركاً سيلاً من الأسئلة عما يمكن أن يكون عليه المشهد الأخير من هذه المسرحية، ألتي يعتقد العراقيون أن لا أحد -غير مخرج المسرحية- يمكن أن يتنبأ بأحداثها، ألتي توحي فصولها بأنها هزلية، بمآلات تراجيدية مغرقة بمآسي، يدفع ثمنها المواطن البسيط من رزقه وصحته ومستقبل أبنائه، فيما اعتبر مراقبون المبادرات الثلاث الأخيرة التي طرحت "لفتح الإنسداد" في العملية السياسية، مشاهد مملة في هذه المسرحية.

 

قانون الإنتخابات الجديد والمفوضية الجديدة وسن قانون للنفط والغاز لتنظيم العلاقة بين بغداد واربيل، ودمج قوات البيشمركة في القوات المسلحة، هي فقط ادوات تطرحها أي كتلة عندما تتصاعد الأزمة السياسية

 

 

عقدة الرقم "40"

ولا يعول العراقيون الذين قاطع 82% منهم الإنتخابات، على انتخاب رئيس من عدمه، فالذين لم يذهبوا إلى صناديق الإقتراع موقنون في الغالب أن تغيير أوضاع البلاد لا يمكن أن يكون من داخل انتخابات أفرزها دستور نظام محاصصاتي، أثبتت تجربة عقدين من الزمان فشله، وفي ظروف كهذه تشوبها البطالة واليأس لم يبق لكثير منهم غير التسكع في المقاهي والسخرية مما وصلت إليه الأوضاع، ألتي وصفها المواطن "سلام غانم" بالعجيبة. وكان غانم يحتسي الشاي في أحد المقاهي البغدادية، عندما سأله صحفي أجرى تحقيقاً حول ردود أفعال الشارع على المبادرات المعلنة للخروج من المأزق السياسي، إن كان يجد في هذه المبادرات حلاً ممكناً، فأجابه بقوله "أي مبادرات، مبادرة مقتدى الصدر مثلاً؟ أنا لا أعرف قصة هذا الرجل مع الرقم "40"، فإذا طرح مبادرة سياسية جعل سقفها الزمني 40 يوماً، وإذا منح الفرصة لـ"النواب المستقلين" بتشكيل تحالف، إشترط أن يضم تحالفهم 40 نائباً، وإذا اعتكف، إعتكف أربعين يوماً. ربما علينا أن نفحص 40 مبادرة لاخيار واحدة!"

ويقول الصحفي الذي أجرى التحقيق، إن كثيراً من ردود المواطنين المتعلقة بهذا الموضوع، رغم أنها تبدو هزلية للوهلة الأولى، لكنها تعبر عن عمق المعاناة التي لم تُبقِ لهم غير السخرية.

من ناحيته قال الكاتب "سمير عادل"، إن مبادرة الصدر الأخيرة هي الأكثر هزلية من بين كل مبادراته الفاشلة"، معتبراً أن "المشهد السياسي العراقي ليس مجرد مأزق سياسي كما يُعتقد، بل يجب أن يُنظر إليه أيضاً على أنه كوميديا ​​متواضعة، بغض النظر عن جميع لافتاتها وأحزابها السياسية وأبطالها المختلفين".

واعتبر الكاتب أن "مهلة مقتدى الصدر الأربعين يوماً، كانت ولا تزال تعبيراً عن الطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية تشكيل الحكومة، واحتكار السلطة تحت راية حكومة الأغلبية".

 

 

مبادرات الآخرين

وكان زعيم التيار الصدري قد تقدم بمبادرة، منح بموجبها خصمه "الإطار التنسيقي"، مهلة أمدها 40 يوماً لتشكيل حكومة توافقية دون أن يشارك بها، وفشلت المبادرة بفشل خصومه بتشكيل الحكومة.

وليست هذه مبادرة الصدر الوحيدة، لكنها كما يرى "عادل" في مقال كتبه عن الموضوع، "الأكثر هزلية من بين كل حيله الفاشلة،" مضيفاً أن الموعد النهائي كان "فرصة لإجراء مفاوضات خلف الكواليس، والسماح بتدخل القوى الإقليمية والدولية في أزمة القوى السياسية في العراق." ومن مبادراته أيضاً أنه "طالب بتكليف المستقلين بتشكيل الحكومة، بشرط عدم مشاركة الإطار التنسيقي فيها، وهذه محاولة أخرى فاشلة لشراء المستقلين المزعومين وإعادتهم إلى الحظيرة، أو قطع الطريق قبل أي محاولات من قبل الإطار التنسيقي" بحسب الكاتب. أما مبادرات الآخرين، ومنها زيارة رئيس مجلس النواب "محمد الحلبوسي" إلى إيران، في محاولة غريبة لنزع فتيل الأزمة السياسية، فيرى الكاتب أنها لا تقل هزلية عن مبادرة الصدر، فقد سافر الحلبوسي إلى طهران "لمطالبة الملالي الإيرانيين بالضغط على "البيت الشيعي" المنهار، للتنازل عن بعض المكاسب وغنائم السلطة للصدر وكتلته، ولم يجر الحلبوسي تلك الزيارة دون موافقة أطراف التحالف الثلاثي، الصدر والبارزاني والخنجر مع الحلبوسي نفسه.

 

 

 ماذا لدى "التنسيقي"؟

ولا يجد الكاتب في نقاط "الإطار التنسيقي" التسع، ضمن مبادرته التي أعلنت في أول أيام عيد الفطر أي جديد، "فقانون الإنتخابات الجديد والمفوضية الجديدة وسن قانون للنفط والغاز لتنظيم العلاقة بين بغداد واربيل، ودمج قوات البيشمركة في القوات المسلحة، هي فقط ادوات تطرحها أي كتلة عندما تتصاعد الأزمة السياسية". ولم تكن المبادرة سوى "ضجة إعلامية تهدف إلى طمس حقيقة أن الهدف النهائي كان إنقاذ نصيب المكون الشيعي، بعد أن تم حفظه قانونياً من قبل المحكمة الاتحادية.

وبحسب الكاتب، فإن العراق يمر بمرحلة انتقالية، وإن فشل كل المبادرات السياسية وتشكيل الحكومة وإجراء الإنتخابات، يعكس تصعيد الصراع بين مشروعين لا يمكن لأي منهما أن تكون له اليد العليا، وهي مشاريع تهدف إلى بقاء العراق مصطفاً مع المعسكر الإيراني.

menu-circlecross-circle