ذكرت مصادر صحفية أن وباء الهيضة "الكوليرا" قد عاود الظهور في العراق بعد أن اختفى تماماً منذ سنوات. وأكد موقع "BBC" البريطاني، أن العراق شهد "انتشاراً مفاجئاً لوباء الكوليرا في الأيام الأخيرة، إذ أعلنت السلطات في إقليم كردستان، تسجيل الآلاف من حالات الإصابة بالوباء خاصة في محافظة السليمانية، حيث تستقبل المستشفيات عشرات المرضى يومياً".
وكانت وزارة الصحة العراقية قد توقعت قبل ذلك، إرتفاعاً في عدد الإصابات بعد اكتشاف 13 إصابة، كان نصيب السليمانية منها 10 إصابات، فيما سجلت محافظة المثنى إصابتين، وكركوك إصابة واحدة. وما لبثت أعداد الإصابات أن تصاعدت بشكل كبير، حيث أكدت صحة السليمانية تسجيل 66 إصابة مؤكدة. وعلى الإثر أوصت وزارة الصحة العراقية نظيرتها في الاقليم بإعلان حالة الطوارئ، بحسب ما أدلى به مدير عام الصحة "صباح هورامي" في بيان له. وفي غضون أقل من إسبوع سجلت السلطات الصحية الآلاف من حالات الإسهال، وهو أحد أعراض الإصابة، بمعدل وصل إلى مابين 700 و800 حالة في اليوم الواحد. من جهته أعلن مدير إصلاحية السليمانية "يادكار إبراهيم" الأحد الماضي، وفاة أحد النزلاء بالكوليرا، بعد إصابته بحالة إسهال وقيء شديدة.
وباء متوطن في العراق
ويعتبر وباء الكوليرا من الأوبئة المسيطر عليها عالمياً، وأن كثيراً من بلدان العالم قد طوت صفحته بشكل نهائي، خاصة في مجال الرعاية والوقاية بعد أن اجتاح العالم 7 مرات خلال 200 عام. وتشير المواقع المتخصصة إلى أن الوباء انتشر على مستوى العالم ما بين 1816 وحتى نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، لكنه انحسر بشكل كبير في أغلب دول العالم بسبب الإستعدادات الوقائية التي تقوم بها الحكومات. أما في العراق فقد ظهر للمرة الأولى عام 1821 وتجدد ظهوره في الموجات اللاحقة.
وفي سبعينات القرن الماضي تم القضاء بشكل تام على الوباء إثر حملة تلقيح كبيرة، لكنه عاد للظهور في ظروف الحصار الإقتصادي، حيث تفشت بكتريا الكوليرا بعد عام 1991 بسبب العقوبات الدولية التي شملت الأدوية واللقاحات، ومع ذلك لم تتجاوز نسبة انتشار الكوليرا في العراق عام 1994 بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية 7.8 لكل 100 ألف من السكان، كما سجل عدد قليل من الإصابات بالوباء عام 1999.
وعاود الوباء للظهور من جديد بعد الإحتلال الأميركي عام 2003، حيث أدى نقص مياه الشرب النظيفة لحدوث 7000 إصابة توفي 10 منهم عام 2007. ويعتقد خبراء في مجال الصحة أن الوباء "يكاد يكون متوطناً في العراق بحكم تسجيل حالات الإصابة به في العديد من مناطقه بشكل شبه سنوي".
مسؤولية المحتل وحكوماته
وأكدت السنوات الماضية من عمر الإحتلال، أن لكل من المحتلين والحكومات التي شكلوها دور في بقاء العراق خارج دائرة البلدان التي تخلصت من الوباء. ففيما يتعلق بالمحتل، أدى القصف الشديد إلى تدمير محطات الكهرباء، ونتيجة لذلك توقف ضخ المياه الصالحة للشرب وعمليات معالجة المجاري محطات الصرف الصحي، حيث تدفقت المياه الملوثة إلى الأنهر كما توقفت عمليات تنقية المياه ومعالجة المجاري. أما دور الحكومات فيتلخص بتراجع دور المؤسسات الصحية، وفي بقاء الواقع المزري الذي نجم عن الإحتلال على ماهو عليه رغم مرور عقدين من الزمن، تعاقبوا فيها على الحكم، ولم تنجز هذه الحكومات شيئاً يذكر في هذا الخصوص، رغم الموارد المالية الهائلة التي تحققت خلال هذين العقدين، مما ساهم في توطين هذا الوباء في البلاد وظهوره بين فترة وأخرى.
وأطلق ناشطون عراقيون حملة للتنديد بتجاهل الدوائر المعنية لهذا الوباء القاتل كما تجاهلت الحمى النزفية. وقال الناشط "معن حبيب" في تغريدة له على تويتر، إن "انتشار الكوليرا في السليمانية شمال العراق، والحُمى النزفية في مدن الجنوب، يعكس الواقع الحقيقي للعراق،" مضيفاً القول إن" دولة ميزانياتها السنوية انفلاقية لا تقل عن 80 مليار دولار، لم تستطع توفير ماء صافٍ معقم ولابنى تحتية تعتني بصحة مواطنيها"،
الوقاية من الكوليرا
وفي ظل الخلافات والفساد المشتري لا ينتظر من الدوائر الحكومية المختصة تجاوز أزماتها والإلتفات للواقع الصحي المتردي، لذلك ينصح الأطباء المواطنين بالإعتماد على انفسهم على الأقل في الجانب الوقائي لتجنب الإصابة بهذا الوباء الفتاك الذي تزداد الإصابة به في فصل الصيف. وفي هذا الخصوص ينصح بالعناية بنظافة الطعام والشراب، ألذي يعتبر وسطاً ناقلاً للوباء من خلال الفم، وكذلك تعقيم الأوعية والأدوات المستخدمة في الطبخ، وإيلاء عناية خاصة بكبار السن والأطفال، لأنهم أكثر عرضة للإصابة من غيرهم.
ويمكن للتشخيص المبكر أن يعجل بالشفاء من الوباء، وفي هذا الجانب يجب مراقبة أعراض الوباء وعزل المصابين المحتملين لحين التأكد من إصابتهم من عدمها. ويعتبر الإسهال والقيء من أهم الأعراض، لكن من الممكن أن تكون أعراض أخرى بسيطة علامات على الإصابة لا ينبغي إهمالها. أما حالات الإصابة الشديدة فقد تسبب فقدان السوائل والأملاح بشكل كبير مما قد يؤدي للوفاة خلال ساعات قليلة، لذلك يجب أن تكون الأولوية لتعويض المريض بالسوائل والأملاح المفقودة، وقد يستلزم الأمر إعطاء المريض بعض المضادات الحيوية.
وبعكس الحمى النزفية المنتشرة هي الأخرى في العراق، يندر إصابة الحيوانات بالكوليرا ولا تساهم في انتشارها ، في حين يعتبر الماء والإنسان المستودعان الرئيسان للكوليرا.