أدى الانهيار المالي في لبنان إلى تراجع الليرة اللبنانية لأكثر من 90%، وبدخول الأزمة عامها الثالث أصيب النظام المالي بالشلل، وجَمدت المصارف مدخرات المودعين، بضمنها أموال عراقية لا يعرف حجمها على وجه التحديد هربت إلى المصارف اللبنانية، لكن مصدراً مطلعاً في مصرف لبنان المركزي، أكد إنها تبلغ أكثر من 18 مليار دولار مقيدة بأسماء سياسيين عراقيين، وبأرصدة تابعة للحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، وأنها "تبخرت" بسبب الأزمة المصرفية. وعقّب المصدر بالقول في حديث صحفي، إن "هذا ما يمكن حصره وهو مسجل رسمياً بأسماء شخصيات أو شركات أو جهات حكومية عراقية"، مضيفاً أن "هناك العديد من الشخصيات التي تم تسجيل أرصدتها بأسماء أخرى ومن جنسيات أخرى".
من ناحيته قدر رئيس مركز "كلواذا" للدراسات "باسل حسين"، الأموال العراقية المودعة في لبنان "بين 16 إلى 18 مليار دولار، تراكمت في المصارف اللبنانية نتيجة عمليات فساد جرت في العراق". وتابع حسين أن لبنان أصبح مركزاً مالياً للعديد من السياسيين والمسؤولين والشركات العراقية، بعد أن قدمت لهم المصارف اللبنانية تسهيلات في عمليات الإيداع والتحويل، قبل أن تشملها بالتجميد. ولم يصدر عن أي سياسي أو مسؤول حكومي عراقي، تصريح بحجم أمواله في حسابه الشخصي في لبنان لكي لا يفتضح أمره، كما لم يصدر عن حكومتي بغداد والاقليم بيان بهذا الشأن، علماً أن الكثير من هذه الأموال تحقق من عمليات بيع النفط.
الرشيد والرافدين يتحملان الخسارة
وأشار ناشطون عراقيون لوثائق تتحدث عن قسم من هذه الأموال، فقد نشر الناشط "ياسر الجبوري" صفحة من تقرير شركة (ديلويت) المتخصصة بمراجعة الحسابات والاستشارات المالية، بشأن تدقيق الحسابات للقطاع النفطي في إقليم كردستان، تشير لوجود 294 مليون دولار امريكي، بالإضافة إلى 310 ملايين يورو خضعت للتجميد في مصارف لبنان. وتمثل هذه الأموال عائدات الإقليم من النفط للربع الاول من عام 2021 فقط، فيما أكد النائب في برلمان الاقليم "علي حمه صالح" في منشور له، إن أكثر من 650 مليون دولار كانت مودعة في المصارف اللبنانية عند صدور قرار التجميد.
وحاول بعض المودعين العراقيين إنقاذ أرصدتهم، بتحويل قيودهم المصرفية لمصارف حكومية عراقية لها فروع في بيروت، بما يمكنهم من سحبها من المصارف العراقية، دون أن يتم تحويل الأموال بشكل فعلي. وقال قاض عراقي، إن محاولة لسرقة 4 ملايين دولار من فروع مصرفي الرشيد والرافدين في لبنان قد فشلت، مضيفاً أن الطريقة الاحتيالية تقتضي سحب أموال مودعة في البنوك اللبنانية عن طريق البنوك العراقية. ونقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية، عن قاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة "ضياء جعفر" قوله، إن "محكمة تحقيق الكرخ تلقت إخباراً تضمن محاولة جهات تحويل القيود المصرفية لعراقيين مودعة في البنوك اللبنانية المتلكئة، لحساب مصرفي الرافدين فرع بيروت والرشيد في البنك المركزي اللبناني". وتابع جعفر القول إنه "بعد التحري، إتضح أن عملية نقل القيود تتم بشكل قيدي دون أن تُنقل قيمة المبالغ المالية لأرصدتنا أو لحساباتنا الموجودة في الرافدين والرشيد"، أي أن هذه الأموال تقيد على الورق وكأنها انتقلت إلى المصارف العراقية، لكنها في الواقع لا تنتقل، مما يسبب خسارة للمصارف العراقية.
ورغم أن هذه العملية إحتيالية واضحة، إلا أن الأشخاص المعنيين أقاموا دعاوى "لإلزام مصرف الرافدين بتسديد كامل المبلغ نقداً من بغداد". وعن قيمة القيدين قال القاضي، إن "قيمة الأول مليون وربع المليون دولار، فيما تبلغ قيمة القيد الثاني مليونين ونصف المليون دولار".
حزب الله في دائرة الاتهام
ويمتلك حزب الله اللبناني مصارف لها فروع في العراق، كما يرتبط بعلاقات وثيقة مع العديد من الاطراف الحاكمة في العراق، الأمر الذي يضعه في دائرة الإتهام.
وقال المحلل الاقتصادي "عبد الرحمن المشهداني"، إن "لبنان من أكثر الدول التي يودع فيها السياسيون العراقيون أموالهم، لأن الحكومة هناك موالية لحزب الله، الموالي بدوره لإيران، وهذا يتفق مع توجهات كثير من السياسيين العراقيين"، مضيفاً أنه وبسبب تأثير حزب الله في لبنان، تجري محاولات للإلتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على أحزاب وشخصيات موالية لإيران بما يمكنهم من إيداع أموالهم بشكل آمن. ويخضع سياسيون عراقيون للعقوبات الأمريكية، بينهم قادة في الحشد الشعبي بسبب تورطهم بقتل متظاهرين سلميين.
وأكد موظف سابق بالسفارة العراقية في بيروت، إنه اطلع بنفسه على عمليات تحويل أموال عراقية إلى المصارف اللبنانية، مضيفاً أن "المبالغ كانت بالمليارات ولم يتم سحبها". وتابع الموظف الذي لم يصرح باسمه، إن المصارف اللبنانية "كانت تدفع فائدة تزيد عن 5%، وهو ما دفع السياسيين العراقيين لإيداع أموالهم فيها، والآن لا يمكنهم سحبها".
تبييض أموال
وحيثما يكون لحزب الله اللبناني ومصارفه وجود، فإن مسألة تبييض الأموال تكون واردة، وبهذا الخصوص يقول أستاذ الاقتصاد الدكتور "نبيل المرسومي"، إن جزءاً كبيراً من الأموال العراقية في المصارف اللبنانية، يدخل في إطار تبييض الأموال التي ربما هرّبت لصالح سياسيين، باعتبار أن جزءاً مهماً من القطاع المصرفي اللبناني هو تحت هيمنة أو إشراف أو سيطرة حزب الله، لذلك نجد أن مبالغ كبيرة تعود لشركات ومسؤولين عراقيين مسجلة بأسماء زوجاتهم أو بناتهم، أو حتى بأسماء بعض اللبنانيين" .
وكان الرئيس السابق "برهم صالح،" قد تحدث العام الماضي عن وجود "ما لا يقل عن 150 مليار دولار من صفقات الفساد، تم تهريبها إلى الخارج منذ 2003"، وأنه قدم مشروعاً إلى مجلس النواب لاسترداد عائدات الفساد، لكن ذلك لم يحدث حتى نهاية ولايته.
وضمن "مؤشرات مدركات الفساد" الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية عام 2021، يقبع العراق في المركز 157، مما يجعله واحداً من أفسد أنظمة الحكم في العالم.