عودة الحديث عن مجالس المحافظات .. لماذا أُقرت ولماذا أُلغيت ولماذا يريدون إعادتها؟

hozaya
19 كانون الأول، 2022

بعد الكشف عن تورط العديد من أعضاء مجالس المحافظات بصفقات فساد كبيرة، وتحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، ألتي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، اضطر مجلس النواب آنذاك للتصويت على حل مجالس المحافظات لحين إجراء الانتخابات، كإجراء لتهدئة الشارع المنتفض ضد النظام. وبالفعل ألغي 15 مجلساً للمحافظات غير المنضوية في إقليم، بواقع 120 قضاء إدارياً وأكثر من 400 ناحية وحل مجالسها. ويرى المتظاهرون أن مجالس المحافظات تمثل أحد أوجه الفساد والهدر المالي غير المبرر، وأنها ليست إلا حلقة زائدة في الهيكل الإداري، إستحدثت لنهب المال العام.  وقدرت المصادر المبالغ التي تحملتها الموازنة للإنفاق على المجالس أكثر من 200 مليار دينار سنوياً (حوالي  180 مليون دولار أميركي)، تتوزع على مخصصات الإقامة ومرتبات وتكاليف حماية أعضائها، بالاضافة لأوجه صرف أخرى، مثل مخصصات الخطورة والضيافة وغيرها.

لكن ما أن هدأت التظاهرات، حتى عاد الحديث عن إعادة العمل بها ، حيث أصدرت المحكمة الاتحادية مطلع حزيران 2021، بياناً جاء فيه أنه "لا يجوز للسلطة التشريعية أن تشرع قانوناً يتضمن إلغاء المجالس المحلية"، متذرعة ب"تعارض ذلك مع أحكام الدستور ومبادئ الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة"، حسب بيان المحكمة.

من المستفيد من مجالس المحافظات ؟

ولم تنتظر الكتل والأحزاب المستفيدة من هذه المجالس طويلاً بعد تشكيل الحكومة الحالية، لتتفق على إعادة تفعيل عملها، حيث توصلت الأحزاب والكتل المسيطرة على الحكم مؤخراً، إلى اتفاق يقضي بإعادة تفعيلها، بعد تعطيلها لثلاث سنوات.

ويبدو أن قوى الإطار التنسيقي التي جاءت برئيس الوزراء الحالي "محمد شياع السوداني" وحكومته، هي أكبر المستفيدين من إعادة العمل بمجالس المحافظات، واستثمارها لترسيخ سياساتها. ودافعت أطرافٌ داخل الاطار التنسيقي، وأعضاء سابقون في مجالس المحافظات، عن قرار إعادة تفعيل عملها. وقال عضو مجلس محافظة بغداد المنحل "سعد المطلبي، إن "القوى السياسية أدركت جيداً ضرورة وجود مجالس المحافظات، من أجل مراقبة العمل والأداء للحكومات المحلية، فلا يمكن بقاء هذه الحكومات بلا رقابة ومحاسبة، خصوصاً مع وجود إخفاقات وشبهات بعمل بعض المحافظين طيلة السنوات السابقة"، على حد تعبيره.

 

تجربة مجالس المحافظات كانت فاشلة، وحصلت فيها حالات فساد ومحاصصة حزبية وسوء إدارة للمشاريع

 

أما النائب عن الاطار "كريم عليوي"، فيصف هذا التحول، بأنه "اتفاق سياسي تم التوصل إليه، يقضي بإعادة تفعيل عمل مجالس المحافظات"، مضيفاً في حديث صحفي، أن "إعادة عمل تلك المجالس يحتاج إلى إجراء انتخابات محلية، ولهذا فهناك سعي حقيقي من قبل الحكومة والبرلمان وبدعم سياسي، لإجراء تلك الانتخابات في شهر أكتوبر من العام المقبل 2023".

 

نيات مبيتة

وتعهد رئيسا مجلسي الوزراء والنواب، "محمد شياع السوداني" و"محمد الحلبوسي" مؤخراً، بتذليل العقبات أمام مفوضية الانتخابات، لإجراء انتخابات مجالس المحافظات.

ووصفت تقارير صحفية مساعي إعادة عمل مجالس المحافظات، بأنها نيات مبيتة من قبل الاطراف التي رشحت السوداني لرئاسة الوزراء، للإسراع بإجراءات التشكيل بمجرد التئام الحكومة، مستدلة على ذلك بتعهد السوداني في برنامجه الانتخابي، بإجراء انتخابات مجالس المحافظات في أسرع وقت ممكن. وتضمن البرنامج الحكومي، إجراء انتخابات مجالس المحافظات خلال عام واحد، على أن يُعدل قانون الانتخابات خلال ثلاثة أشهر.                                                             وبحسب الخبير القانوني "وائل البياتي"، فإن "تجربة مجالس المحافظات كانت فاشلة، وحصلت فيها حالات فساد ومحاصصة حزبية وسوء إدارة للمشاريع، مما حوّل هذه المجالس من وظيفتها في تقديم الخدمات، إلى مجالس سياسية تعتمد على ممارسة العمل السياسي وضرب الخصوم دون تحقيق الهدف الأساسي، وهو تقديم الخدمات للمواطنين".

 

أين تكمن المشكلة؟

إلى ذلك يعتقد فريق من المحللين السياسيين، أن المشكلة ليست بإعادة المجالس الى العمل أو بإلغائها، بل في طبيعة بناء النظام التي تشجع على الفساد بوجود المجالس أو بعدمه، حيث أن فترة السنوات الثلاث التي شهدت غياب مجالس المحافظات لم تكن مثالية، لا في تقديم الخدمات ولا في الحد من الفساد. ويرى المحلل السياسي "علي البيدر، ان الغاء المجالس شهد  "حالة من الديكتاتورية الناعمة، وهي تفرد المحافظ ورؤساء الدوائر بالقرارات، حيث أصبح موضوع إقالة المحافظ بحاجة إلى جهود أكثر من جهود إقالة رئيس الوزراء، وكل ذلك أنتج واقعاً فوضوياً في إدارة المحافظات، وغيّبت الرقابة على المؤسسات في الإدارات المحلية". من جهتها رأت الباحثة في الشأن السياسي "نوال الموسوي"، إن إعادة إنتاج المجالس "يضعنا أمام تمدد حزبي في إدارة الدولة، لذلك يصر الإطار التنسيقي على إسناد مثل هذه المهام الوظيفية إلى شخصيات حزبية، وهنا المخاطر؛ حيث لا توكل إلى التدرج الوظيفي والمسمى الوطني". وشددت الموسوي على أن "إعادة مجالس المحافظات دون إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم الأصلية، ولا سيما في المناطق السنية، يعيق إقرار القانون في البرلمان"، مضيفة أن "ما يجب أن يُتخذ هو عدم تسييس هذه المناصب، وإيكالها إلى الاستحقاقات الانتخابية".

وأوضحت الموسوي في حديث صحفي، إنه "إذا جرت الأمور كذلك، فإننا أمام عملية غربلة لكل مناصب الدولة وجعلها مناصب سياسية بحتة، ليست الغاية منها تقديم الخدمات والسير نحو اللامركزية الإدارية، وإنما حصرها بيد القوى السياسية".

menu-circlecross-circle