تعيش مدن حزام بغداد ومنها قضاء الطارمية، حالة من الرعب الدائم بسبب اتهامات تكيلها القوى السياسية المرتبطة بإيران وممثلوها في مجلس النواب، بأنها "حواضن للإرهاب". ويرى محللون سياسيون، إن الاتهامات لاتعدو كونها تحريضاً طائفياً ضد سكان هذه المناطق، يهدف لتنفيذ مخططٍ للتغيير الديموغرافي فيها، والإستيلاء على أراضيها وبساتينها بعد تهجير سكانها. ولا يجد هؤلاء المحللون سبباً لتبرئة الأجهزة الأمنية من مسؤوليتها عن أي خرق أمني، واتهام السكان المدنيين بالوقوف وراءه، غير محاولات إفراغ القضاء من سكانه، وإلحاقه بالمناطق "منزوعة السكان"، فيما عبر آخرون عن قناعتهم بأن ميليشيات مسلحة تقف وراء تدهور الأوضاع الأمنية، بهدف خلق ذريعة لاستباحة تلك المناطق.
ونجحت هذه القوى حتى الآن، بتنفيذ مخططها الرامي لإحداث تغيير ديموغرافي في بعض مناطق ديالى وبابل، بعد حملة تحريض أطلقتها خلال الأعوام الماضية، لتظهر هذه الأيام حملات مماثلة تستهدف قضاء الطارمية، متذرعة بالخرق الأمني الذي حدث فيها مؤخراً. وكانت خلية الإعلام الأمني، قد أعلنت في بيان لها عن مقتل وإصابة 4 ضباط ومنتسبين بانفجار حزام ناسف في قضاء الطارمية، بحسب البيان.
المدنيون يدفعون الثمن
وعلى الفور تعالت دعوات الانتقام من السكان المدنيين من قبل ممثلي القوى السائرة في ركاب إيران، وتحميلهم مسؤولية الخرق الأمني، حيث قال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية "ياسر وتوت"، إن الحل النهائي لما أسماه بالإرهاب، يتمثل بالتجريف الكامل لبساتين الطارمية.
وعلق المتحدث باسم مجلس شيوخ عشائر الثورة العراقية "فايز الشاووش" على ذلك بقوله، إن دعوات تجريف بساتين الطارمية موضوع مخطط له مسبقاً لتهجير أهالي هذه المناطق، وإن هدف الميليشيات هو تأجيج النزعة الطائفية، مطالباً في حديث تلفزيوني بمحاسبة أصحاب دعوات تهجير السكان العزّل، حفاظاً على وحدة العراق.
واعتبر مراقبون الدعوات التي تصدر عن هذه الجهات بين حين وآخر، تحريضاً ضد سكان القضاء وبقية مناطق حزام بغداد بدوافع طائفية، من اجل استكمال مشاريع التغيير الديموغرافي القائمة منذ سنوات.
وكان المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، قد أفاد بأن ميليشيا "النجباء" اعتقلت ما يزيد عن 200 مدني من أبناء قضاء الطارمية، في ممارسة تتكرر بين حين وآخر، حيث تقوم عناصر الميليشيات والقوات الأمنية بحملات تفتيش واعتقالات عشوائية، جعلت السكان في قلق دائم. وقالت مصادر صحفية، إن كثيراً من العوائل بدأت تفكر بعد الخرق الأمني الأخير والتهديدات التي أعقبته، بإخراج أبنائها من القضاء، خشية استهدافهم بعمليات ثأر وانتقام قد تقدم الميليشيات عليها.
دعوات ليست جديدة
وأعادت الأحداث الأخيرة إلى الأذهان، دعوات سبق لقنوات إعلامية تابعة لهذه القوى إطلاقها، منها ماحدث في تموز/يوليو 2021، عندما دعت إلى نقل تجربة "جرف الصخر" إلى الطارمية، مطالبة بإفراغ القضاء من السكان. ونقلت هذه القنوات عن النائب عن كتلة "صادقون"، الجناح السياسي لمليشيا العصائب "حسن سالم"، مطالبته بما وصفه ب"تطهير" مناطق حزام بغداد، لأنها تمثل "بؤراً للإرهاب"، حسب تعبيره، واتهامات مماثلة من القيادي في التيار الصدري "حاكم الزاملي"، وعدد من قادة الميليشيات.
وفند مسؤولون محليون في قضاء أبو غريب والطارمية هذه الإدعاءات، معتبرين أن الترويج لها "أعاد المخاوف من حملات تغيير ديموغرافي قد تنتهجها المليشيات"، مؤكدين في أحاديث صحفية، إن "حالة من الرعب تلاحق الأهالي، الذين باتوا غير مطمئنين في مناطقهم"، داعين الحكومة إلى "تحمل مسؤوليتها ازاء مناطقهم، وحمايتها من مخططات تهدف لإفراغها من أهلها والسيطرة عليها من قبل الميليشيات".
وحذر النائب عن تحالف القوى "فالح العيساوي"، من نقل تجربة "جرف الصخر" إلى مناطق حزام بغداد تحت ذرائع واهية، مؤكداً أن "هناك حالة قلق وخوف في تلك المناطق نتيجة لتلك الحملة ضد مناطقهم". وأضاف العيساوي إن "المواطن في مناطق حزام بغداد لا يثق بما تسمى (عمليات التحرير من داعش)، لأنها تكون عمليات سلب لأراضي المواطنين،" مستشهداً بما حدث في جرف الصخر، التي انتهت بسيطرة المليشيات عليها، ومنع الأهالي من العودة لها.
وتعليقاً على الأحداث الأخيرة في قضاء الطارمية، قال ضابط في شرطة القضاء طلب عدم ذكر اسمه، إنّ "الوضع مرتبك، وإن الأهالي يعيشون في رعب، لا سيما مع تصاعد حملات التحريض ضدهم"، مضيفاً أن "الهجوم الذي وقع هو خرق أمني لا يمكن أن يتحمله الأهالي، ولا يمكن اتهامهم بتنفيذه".
"طريق الحرير" الإيراني يمر من الطارمية
ويخشى أهالي الطارمية من قيام القوات العراقية والميليشيات بهجمات مشابهة لتلك التي نفذتها أواسط آب/ أغسطس 2021، وشاركت فيها عمليات بغداد والقوات الجوية وطيران التحالف الدولي والشرطة الخاصة والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي، وذلك إثر حدوث خرق أمني في القضاء.
وعبر باحثون عن اعتقادهم، بأن السبب الرئيس لاستهداف قضاء الطارمية ومحاولات تهجير سكانه، هو موقعه الجغرافي وأهميته بالنسبة لإيران، التي تدير المشهد عن بعد. وقال المحلل والباحث السياسي "جبار المشهداني"، إن "موقع الطارمية الجغرافي الحساس، كونها خاصرة بغداد الشمالية، ومحاذية لمحافظات ديالى شرقاً وصلاح الدين شمالاً والأنبار غرباً، يجعلها إحدى بوابات بغداد الأساسية، فضلاً عن كونها منطقة غنية اقتصادياً، حيث المزارع والبساتين ومزارع الأسماك وغيرها، مما يضعها دوماً في عين العاصفة وتكثر الأطماع فيها، وكثيراً ما تُتهم بأنها من الأماكن التي تكثر فيها حواضن الإرهاب وخلاياه النائمة".
وأضاف المشهداني، إن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة منذ 2004 يطرح علامات استفهام حول حقيقة دوافع ما يجري في الطارمية، متسائلاً "كيف يمكن لتلك الخلايا النائمة البقاء رغم كل هذه الحملات العسكرية والأمنية الحكومية المحمومة".
وتابع الباحث القول، إن "القضية سياسية في واقع الحال وليست أمنية، ومن أهم أسباب ما تتعرض له الطارمية هو موقعها الجغرافي الاستراتيجي، حيث تقع على (طريق الحرير الإيراني)، الذي يمر من ديالى فالطارمية فالأنبار فسوريا، ولهذا هي مستهدفة بغية إحداث تغيير ديمغرافي سكاني فيها، كي تتحول لممر آمن يصل إيران عبرها بموانئ البحر الأبيض المتوسط، وهذا هو الهدف الأساسي غير المعلن"، بحسب الباحث.