منظومة كاملة متكاملة من الفساد أحد أهم أذرعها الوزارات في الحكومة الحالية التي بلغت حداً لا يمكن تصوره من الفساد المالي والإداري ،كذلك على مستوى الاختيارات التي تغلب عليها النزعة الطائفية والمحسوبية والصفقات القائمة على تحقيق المكاسب غير المشروعة على حساب اقوات الناس .
الفاسدون تجمعهم الصفقات وتفرقهم المصالح ، وحين تزول أسباب الوفاق ويشتد النزاع على الغنائم تخرج الاتهامات والاعترافات ضد بعضهم بالفساد والسرقة والاختلاس وسوء الإدارة ، ولم يكن قبول رئيس الوزراء الحالي "حيدر العبادي" ، استقالة ستة وزراء في الكابينة الوزارية للحكومة الحالية ، الا استمراراً لحرب تصفية الحسابات بين الفرقاء السياسيين داخل التحالف الوطني الحالي وخارجه ، والوزراء المعنيون كانوا مسؤولين عن الحقائب الحالية للنفط والنقل والإعمار والإسكان والموارد المائية والصناعة والداخلية .
العبادي وما ان قبل استقالات هؤلاء الوزراء بدوافع المصالح الشخصية وتصفية الحسابات حتى راح يطلق الوعود الزائفة بالإصلاح واختيار الكفاءات للوزارات الشاغرة ، وعود سرعان ما تبددت وبدأ الرجل يماطل في تسمية هذه الوزارات الشاغرة، وهو أمر جهرت به كتلة الأحرار التابعة لما يعرف بالتيار الصدري على لسان العضو فيها "عبد العزيز الظالمي" الذي صرح بأن قبول استقالات بعض الوزراء الحاليين من قبل رئيس الحكومة الحالية "حيدر العبادي" ومماطلة العبادي لإغلاق هذا الموضوع الهدف منه هو جعل إدارتها بالوكالة .
اتهامات المماطلة أتت ايضاً من ما يعرف بتحالف القوى ومن كتلة ما تعرف بالمواطن التابعة التي تتبع "عمار الحكيم" ومن نائب رئيس البرلمان الحالي "آرام الشيخ محمد"، ومن ائتلاف ما يعرف بدولة القانون وغيرها من الكتل والكيانات السياسية الطامعة في المناصب الشاغرة .
أمام هذه الاتهامات حُشر العبادي في الزاوية وأقر بعدم قدرته على إدارة جميع الوزارات الحالية الشاغرة بنفسه وبوقت واحد ، فيما أكد عزمه على تقديم مرشحين جدد إلى البرلمان الحالي لشغل هذه الوزارات.
قبول العبادي لفكرة تسمية الوزارات الشاغرة أجج خلافات الكيانات السياسية فيما بينها على الأمر وفقا لمصالح كل منها ، حيث اعترف ائتلاف المالكي ، بوجود خلافات حادة داخل البرلمان الحالي حول الوزارات الشاغرة مع بداية الفصل التشريعي الجديد .
النائب عن الائتلاف ، "جاسم محمد جعفر" ، قال إن الخلافات مازالت حادة مستمرة بشأن الوزارات الشاغرة خاصة وزارتي الدفاع والداخلية الحاليتين ، لافتا إلى أن قيادات في بعض الكتل السياسية تريد أن تكون هي من يشغل الوزارات، لكن العبادي يرغب بأن يكون من يتسلم تلك المناصب من المستقلين ومن العاملين في وزارتي الدفاع أو الداخلية الحاليتين.
عضو ائتلاف المالكي "جاسم البياتي " من جهته قال إن العبادي أبلغ قادة الكتل رغبته بإسناد حقيبتي الدفاع والداخلية الحاليتين لشخصيات من داخل تلك الوزارتين ، لكن الأطراف السياسية رفضت تلك الرغبة باعتبار المنصبين المذكورين استحقاقا انتخابياً لها يمنحها أحقية أختيار المرشحين ، وذلك على أسس المحاصصة الطائفية .
أمر أكده "موفق الربيعي" العضو بنفس الائتلاف حينما أوضح أن العبادي غير قادر على حسم ملف الوزارات الشاغرة بسبب المحاصصة والمصالح الحزبية ، والصراعات المحتدمة على هذه الوزارات الحالية.
ترشيحات الكيانات السياسية الحالية للوزارات الشاغرة اعتمدت بشكل كبير على التوازنات الطائفية والحسابات الفاسدة ، فائتلاف ما يعرف بالوطنية الذي يتزعمه "إياد علاوي" أعلن اعتزامه مقاطعة جلسات البرلمان الحالي وعدم المشاركة في الحكومة الحالية ، اعتراضا على ترشيحاتها للوزارات الشاغرة ، متهما رئيس الوزراء الحالي "حيدر العبادي" بالإصرار على المحاصصة الطائفية .
نائب رئيس الجمهورية الحالي "إياد علاوي" وصف العملية السياسية التي أعقبت احتلال العراق عام 2003 بالفاشلة لأنها عجزت عن بناء المؤسسات وتقديم الخدمات ووضع رؤية لبناء وإدارة الدولة فضلا عن تفشي الفساد والجريمة فيها ، معترفا بأن هذه العملية وصلت الآن لطريق مسدود.
جلسة التصويت عقدت في النهاية برغم كل الصراعات التي سبقتها وانتهت برفض البرلمان الحالي ، التصويت على تسمية "أنعام العبيدي" لوزارة التجارة الحالية و"يوسف الأسدي" لوزارة الصناعة الحالية ، فيما صُوت على اختيار "عرفان الحيالي" لوزارة الدفاع الحالية والنائب عن التحالف الوطني الحالي "قاسم الأعرجي" لوزارة الداخلية الحالية الذي تولى المنصب بعد سبعة اشهر من إدارته بالوكالة من طرف "محمد الغبان ".
الأعرجي الذي ينتمي لميليشيا بدر وأحد أتباع الجنرال الايراني قاسم سليماني ، كان قد قضى حياته في إيران ضمن الحرس الثوري وفيلق القدس ، ما يؤكد ولاءه لطهران التي ترغب في بسط نفوذها على العراق ما يشير إلى طغيان الصفقات السياسية بين الكتل والأحزاب الحالية داخل البرلمان الحالي على مصالح الوطن والمواطن.
غلبة الانتماءات الطائفية الضيقة والمصالح الشخصية ظهرت بشدة على اختيار هذه الشخصيات فوزيرا الدفاع والداخلية الجديدان ينتميان لكتل سياسية حالية انتهكت ملف حقوق الإنسان في العراق ، وبحسب ما قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان فإن منظمات حقوقية ودولية أكدت وجود سجون سرية في العراق تابعة للوزارتين ويجري فيهما تعذيب المعتقلين الذين تم اعتقالهم بالأساس بحملات تعسفية ومن دون أوامر قضائية، كما أكد المرصد أن الأرقام الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى حول من يُفرج عنهم دون وجود ما يُدينهم، تُشكل خطراً كبيراً على ملف حقوق الإنسان وتؤكد أن هناك من يُنفذ حملات اعتقال عشوائية دون وجود أوامر قضائية .
الكيانات اللاهثة وراء المناصب لم تكن لديها اي نية لخدمة المواطن العراقي ، لكن تناحرها على نيل الحقائب الوزارية تفسره مفارز ولجان مكتب المفتش العام لوزارة الداخلية الحالية ، التي اكدت وجود أكثر من 200 حالة فساد مالي وإداري في مفاصل ودوائر الوزارة خلال شهر كانون الأول المنصرم ، ويعكس ذلك حجم الفساد الكبير المتفشي في جميع الوزارات الحالية والمؤسسات والهيئات الحكومية و الائتلافات والتحالفات الحالية سعيا لنيل المناصب .
اختلاف الاحزاب وصراعاتهم اظهرت ضيق الحسابات في الاختيارات والنظر لما فيه مكاسب سياسية ومالية وادارية وتوازنات مصالحية فالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه " مسعود بارزاني" ، أقر بأن الخلافات المتواصلة والعالقة بين الاحزاب والكتل السياسية البارزة في كردستان العراق، منعت ترشيح وزيرا للمالية الحالية، حتى يكون بديلا عن " هوشيار زيباري"، الذي أُقيل لثبوت تورطه بقضايا فساد مالي واداري كبيرة، مما يعكس صورة واضحة عن الحالة السياسية المتدهورة في كردستان.
عضو الحزب " عرفات كرم " أكد أن منصب وزارة المالية من حصة الكرد ولصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني حصراً، رافضاً تقديم سقف زمني مُحدد لتقديم مرشح المالية، ما يرسخ الاعتماد على الطائفية العرقية والمذهبية والمكاسب السياسية في عملية اختيار الوزارء وهو الامر الذي سيؤثر سلبا على اداء هذه الوزارات ويساهم في تردي الخدمات وزيادة معاناة المدنيين.
تصدع الحكومة الحالية وفقدانها للشرعية تعمق مع فشل اختيار وزارتي التجارة والصناعة لاسيما في الجانب الكردي بعد أن أوضح النائب عن التحالف الوطني "ماجد شنكالي"، أن اختيار مرشحي وزارتي التجارة والصناعة الحاليتين تحتاج إلى توافق بين الكتل السياسية، وأن وزارة التجارة الحالية تعد استحقاقا انتخابيا لكتلة الوطنية مشيراً إلى أن القيادة السياسية في كردستان العراق تدرس الانسحاب من الحكومة الحالية .
المفاجأة الاخرى في عملية اختيار الحقائب الوزارية الشاغرة كان في تسمية "عرفان الحيالي" لتولي منصب وزير الدفاع الحالي، فطالما تدار الأمور بمنطق الصفقات والتنازع على المكاسب والفساد فليس هناك سبيل للاستقرار لاسيما وقد ظهر وزير الدفاع المقال لثبوت تورطه بقضايا فساد مالي وإداري كبيرة "خالد العبيدي" في الصورة مرة اخرى بعد أن أقر عضو مجلس النواب الحالي "مشعان الجبوري"، بعودته إلى منصبه وزيرا للدفاع مرة أخرى مطلع الشهر القادم ، وسط انباء مسربة عن صفقات مالية كبيرة تصل لـ 25 مليون دولار ، بين الاخير وممثلي حزب الفضلية الحالي المسيطرين على وزارة العدل الحالي ، بما يكشف حقيقة أخرى من حقائق الفساد الحكومي الكبير في العراق.
عودة وزير الدفاع المقال لثبوت تورطه بقضايا فساد مالي واداري "خالد العبيدي " ، إلى منصبه جاءت وبحسب أخبار مسربة بعد قيامه بشراء قرار عودته إلى منصبه من المحكمة الإدارية الحالية بدفع مبلغ وقدره 25 مليون دولار من ممثلي حزب ما يعرف بالفضلية المسيطرين على وزارة العدل الحالية ، وذلك تاكيدا للفساد المستشري في جميع مفاصل الحكومة الحالية ومؤسساتها ولا سيما القضائية المسيسة.
المعارك على الحقائب الوزارية وما يتبعها من مكاسب من نهب الاموال وبسط النفوذ ازدادت حدتها مع تصريح القيادي في حزب الدعوة الحالي "علي العلاق" الذي أكد فيه أن هناك أطراف ترغب في إسقاط حكومة العبادي ، وتغييرها بأي شكل من الاشكال .
المواطن البسيط لا ينظر إلى كل تلك المسرحية الهزلية الدائرة على مسرح البرلمان الحالي بجدية ، ولا يعترف بشرعيتها التي أثبتت الأيام وطريقة إدارة الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال أنها تقوم على الفساد وترسخ الطائفية وتشعل النزاعات وتباع فيها الولاءات على حساب الشعب المكلوم بأتباع الاحتلال ، فالعراقيون اليوم يبحثون عن طريق آخر لا يقوم على اللعبة السياسية الحالية التي تدار بشكل مهين لتاريخ العراق وحضارته لعل الايام القادمة تضيء لهم هذا الطريق الذي طال انتظاره
يقين نت
م