تتفاقم أزمة السكن في العراق يوماً بعد آخر، وسط عجز حكومي واضح عن إيجاد حلول حقيقية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن البلاد بحاجة إلى أكثر من 3 ملايين وحدة سكنية لسد الفجوة القائمة، في وقت لم تحقق فيه المبادرات المعلنة أي نتائج ملموسة.
ورغم علان حكومة بغداد إطلاق برامج تمويل عبر المصرف العقاري وصندوق الإسكان، إلا أن هذه القروض ظلت عاجزة عن تلبية احتياجات الشريحة الأوسع من المواطنين. فقد أظهرت بيانات ديوان الرقابة المالية لعام 2023 أن نسبة المستفيدين من قروض الإسكان لم تتجاوز 18% من المتقدمين، بسبب الشروط البيروقراطية المشددة، وارتفاع الفوائد التي تصل إلى 6%، مما حوّل هذه القروض إلى عبء إضافي بدلًا من كونها حلاً سكنياً.
يُضاف إلى ذلك أن البيروقراطية المعقدة، ما يجعلها متاحة فقط لفئة ضيقة من الموظفين والمتنفذيين، بينما يُقصى منها معظم العاملين في القطاع الخاص وأصحاب الدخل غير المنتظم والطبقات متدنية الدخل.
ويؤكد مراقبون أن البيئة المصرفية الحالية لا تراعي التركيبة الاجتماعية والدخلية للمواطن العراقي، ما يحوّل مبادرات التمويل إلى أدوات للتمييز بدلًا من أن تكون وسائل دعم.
سيطرة غير رسمية على الأراضي
تشير تقارير هيئة النزاهة إلى أن جهات حزبية ومجاميع مسلحة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي القابلة للسكن، وتقوم بتخصيصها عبر شركات وهمية. وفي الوقت ذاته، تسكن نحو 3 ملايين نسمة في أكثر من 4 آلاف مجمع عشوائي بلا خدمات، في حين تُحتكر الأراضي الصالحة من قبل سماسرة مرتبطين بمراكز نفوذ.
ويتحدث أحد المهندسين السابقين في وزارة الإسكان – فضل عدم الكشف عن اسمه – قائلاً: "هناك مشاريع كثيرة تم إطلاقها خلال السنوات الماضية بغطاء حكومي، لكنها ذهبت إلى شركات مقربة من أحزاب سياسية، ولم يُنجز منها سوى واجهات إعلامية، بينما بقيت مناطق واسعة من العراق بلا تخطيط سكني حقيقي".
وبين أن، وزارة الإعمار والإسكان لم تنفذ سوى 30% من خطتها لعام 2023، وفق لجنة الاقتصاد النيابية، بسبب تدخلات حزبية وفساد إداري. ويؤكد مختصون أن أي إصلاح حقيقي يبدأ بإخراج ملف الإسكان من سيطرة القوى النافذة، وإحالته إلى رؤية وطنية شفافة.
ويشير، إلى أن "غياب التنسيق بين وزارة الإعمار والجهات البلدية أدى إلى تكرار مشاريع غير متكاملة، تنتهي بهدر المال العام دون تحقيق الأهداف العمرانية المرجوة"، مضيفًا أن "غياب قاعدة بيانات دقيقة وعدم إشراك الخبراء المحليين في التخطيط ساهم في تعقيد المشهد أكثر".
القروض المرتفعة تعمق الفجوة
تشكل القروض العقارية القائمة على الفائدة المرتفعة تحديًا كبيرًا أمام أصحاب الدخل المحدود، حيث تزيد من العجز المالي وتقلل من فرص التمكين الاقتصادي. وتشير المعطيات إلى أن غياب بدائل تمويل عادلة حوّل السكن إلى حلم بعيد المنال، وسط دعوات إلى تبني التمويل التشاركي كخيار أكثر عدالة واستدامة.
ويقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد: "القروض العقارية الحالية لا تراعي واقع الشباب أو العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، فهي تتطلب ضمانات لا تتوفر إلا لأصحاب الامتيازات، مما يرسخ الفجوة الطبقية. التمويل التشاركي يمكن أن يكون بديلاً حقيقياً إذا توفرت له بيئة قانونية وتشريعية مشجعة".
وأشار إلى أن غياب أدوات تمويل بديلة وعادلة يزيد من خطورة هذه الظاهرة، إذ لا تراعي الأدوات الحالية خصوصية الفئات الهشة، ولا تضمن عدالة الوصول إلى الموارد المالية.
وأوضح عيد أن السياسات التمويلية العقارية القائمة على القروض المرتفعة الفائدة " تعد من العوامل المغذية لأزمة الإسكان في البلاد، حيث تُشكل الأقساط المرتفعة المرتبطة بسعر الفائدة عقبة كبيرة أمام الشباب الراغبين في امتلاك وحدة سكنية، خصوصاً العاملين في القطاع غير الرسمي أو أصحاب الأجور المنخفضة".
وبيّن أن شروط الضمانات المعقدة وغياب برامج الدعم المباشر حولت هذه القروض إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي، بدلا من أن تكون وسيلة للعدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.
ودعا عيد، إلى ضرورة تبني التمويل التشاركي كبديل تنموي ملائم، نظرا لاعتماده على مبدأ تقاسم الربح والمخاطر، لا تحميل المقترض أعباءً ثابتة بغض النظر عن نتائج النشاط الاقتصادي.
وشدد، على أن هذا النمط يقوم على التعاون، والشفافية، والشراكة الحقيقية، وهو أكثر انسجاما مع احتياجات الفئات التي تُقصى من النظام المصرفي التقليدي بفعل شروطه الصارمة.
واختتم، بالدعوة إلى مراجعة شاملة للسياسات التمويلية المعتمدة، مطالبا الجهات الحكومية، والبنك المركزي، والقطاع المالي بإرساء بيئة تشريعية محفزة، وتقديم حوافز للابتكار المالي، ودعم المؤسسات الوسيطة، بما يُعزز من قدرات الشباب على الإسهام في الاقتصاد الوطني، دون الوقوع في فخ المديونية الاستهلاكية أو السكنية.