توماس باراك: العراق في فوضى وإيران تقاتل عليه كآخر معاقلها

وكالة يقين
6 كانون الأول، 2025

انتقد المبعوث الأمريكي الخاص بسوريا، توماس باراك، بشدة حصيلة التدخل الأمريكي في العراق والمنطقة، مشيراً إلى أن بلاده أنفقت حوالي ثلاثة تريليونات دولار وخاضت عشرين عاماً من "التاريخ الكارثي" قبل أن تنسحب من العراق "دون مكاسب حقيقية"، على حد تعبيره.

وفي مقابلة أجراها باراك مؤخراً مع شبكة "The National" ، وصف التجربة العراقية بأنها نموذج للسياسات التي "لا يجب أن تتكرر". وأشار إلى أن التدخل انتهى بـ"فقدان مئات آلاف الأرواح وترك البلاد في حالة فوضى"، وهو فراغ استغلته إيران لتعزيز نفوذها عبر فصائل مسلحة موالية لها.

وأوضح باراك أن الولايات المتحدة دعمت صيغة فيدرالية في العراق تقوم على حكومة اتحادية في بغداد مع كيان كردي يتمتع بحكم ذاتي واسع في الإقليم الغني بالنفط. وحذر من أن هذا التوجه أدى فعلياً إلى "تجزئة" مشابهة لما حدث في يوغوسلافيا السابقة.

وأضاف أن نموذج "الفدرلة الممزقة" لم ينجح، وأن العجز عن التوافق على صيغة حكم موحدة فتح الباب أمام انقسامات أوسع وصدامات بين المكونات، مما سمح لطهران باستغلال الفراغ السياسي والأمني لتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن الميليشيات المدعومة من إيران تتمتع بنفوذ واسع داخل البرلمان العراقي. ووصف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بأنه "شخص جيد"، لكنه يفتقر إلى القوة السياسية الكافية بسبب تركيبة مجلس النواب وتحكم أطراف مرتبطة بالحشد الشعبي بمسارات تشكيل الائتلافات.

وأكد باراك أن القيادة الأمريكية الحالية حسمت موقفها بعدم إرسال قوات برية جديدة إلى المنطقة أو الدخول في التزامات مالية ضخمة، مكتفية بوجود دبلوماسي وأمني مركّز يتمثل في سفارة "ضخمة" في بغداد وقنصلية كبيرة في أربيل.

وأوضح أن واشنطن تُركز وجودها في المنطقة حالياً على مهمة واحدة هي "مكافحة الإرهاب". ولفت إلى أن الرئيس الأمريكي تعهد بعدم المخاطرة بحياة الجنود الأمريكيين في "معادلة لم تثبت نجاعتها على مدى مئة عام".

في تقييمه للوضع الراهن، وصف باراك العراق بأنه في "حالة فوضى"، مشيراً إلى شدة "القتال الإيراني على العراق"، وأن طهران تنظر إلى بغداد كآخر مساحة نفوذ رئيسية لها، خاصة بعد الضغوط التي تواجهها في ملفات حزب الله وحماس والحوثيين.

كما تطرق إلى الملف الإيراني، مؤكداً أن الإدارة الأميركية "منفتحة" على حوار جدي مع طهران بشأن برنامجها النووي ووقف تمويل الجماعات المسلحة الحليفة لها. لكنه شدد على أن واشنطن لا تقبل "حواراً شكلياً يطيل أمد الحروب بالوكالة".

وأوضح أن الرئيس الأميركي يدرك أن إيران تخطط بآفاق زمنية تمتد لعقود، في حين أن ولاية أي رئيس أميركي محدودة، محذراً من محاولات "استدراج واشنطن إلى مفاوضات لا تنهي دوامة العنف، بل تمنح الوقت لمزيد من التصعيد عبر الوكلاء".

وفي الشأن اللبناني، وصف المبعوث الأميركي لبنان بأنه "دولة فاشلة" مالياً واقتصادياً، يعاني من دين عام ضخم ونظام مصرفي شبه معطل يعتمد على الحوالات وشركات التحويل، ضمن بيئة يقول إنها اضطرت إلى الفساد "كي تستمر".

مع ذلك، رأى فرصة لتجنب حرب أهلية جديدة، مشيراً إلى وجود قيادة سياسية تؤكد أنها لا تريد تكرار تجربة الثمانينيات.

واعتبر أن معضلة حزب الله معقدة، إذ تصنفه الولايات المتحدة "منظمة إرهابية أجنبية"، بينما يشكل في الداخل جزءاً من البنية السياسية ويمثل تمثيلاً أساسياً للطائفة الشيعية في البرلمان.

وأكد أن أي حل واقعي لا يمكن أن يقوم على "نزع سلاح الحزب بالقوة"، بل يجب أن يعتمد على صيغة تضمن "عدم استخدام هذا السلاح" ضمن اتفاق أوسع يراعي هواجس الطائفة الشيعية ويضع مسافة بين الحزب وطهران، مع الإشارة إلى أن دولاً خليجية أنفقت مليارات الدولارات في محاولات سابقة لمعالجة هذا الملف.

كشف المبعوث باراك عن جهود أميركية تهدف إلى دفع لبنان نحو حوار مباشر مع إسرائيل، بدلاً من الاكتفاء بالآليات غير المباشرة التي ترعاها أطراف ثالثة. واعتبر أن أي تسوية مستدامة تتطلب اتفاقًا واضحًا بشأن وضع حزب الله والحدود وترتيبات الأمن في الجنوب.

وفيما يخص سوريا، أبدى رأيًا إيجابيًا بشأن السلطة الجديدة هناك، مشيرًا إلى أنها أنهت "خمسين عامًا من الفظائع" وتسعى إلى مسار مختلف، خاصة بعد انضمامها للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش وتبنيها مقاربة أكثر تعاونًا مع واشنطن.

وأكد باراك أن جزءًا من الحل، من وجهة نظره، يكمن في التوصل إلى اتفاق أمني وحدودي مع إسرائيل، يمهد لاحقًا لتطبيع العلاقات.

وفي ختام حديثه، انتقد باراك سجل محاولات تغيير الأنظمة في العالم منذ منتصف القرن الماضي، معتبرًا أن عشرات الانقلابات والتغييرات التي شاركت فيها الولايات المتحدة "فشلت جميعًا تقريبًا". وأشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تؤمن بسياسة "تغيير الأنظمة"، بل تركز على الحلول الإقليمية التي تصوغها دول المنطقة ذاتها. وأوضح أن ما حدث في المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله ليس نهاية المطاف، بل هو "فصل من فصول متعددة لم تُكتب نهايتها بعد"، على حد تعبيره.

menu-circlecross-circle