مؤشر السلام الدولي يفضح "تغول الميليشيات": هل أصبحت الدولة رهينة للقرار المسلح؟

وكالة يقين
13 كانون الثاني، 2026

بغداد – تقرير خاص

لم يكن حلول العراق في المرتبة 147 عالمياً (من أصل 163 دولة) ضمن مؤشر السلام العالمي لعام 2025 مجرد رقم عابر في تقرير دولي؛ بل جاء كصدمة إحصائية توصف واقع بلدٍ يراوح مكانه في "منطقة رمادية" بين ذكريات تدمير المدن على يد القوات الأمنية الحكومية وبين مستقبل يلفه الغموض والخشية من الانتكاسات.

أبعد من الرصاص.. السلام بمعناه الواسع

مؤشر السلام الصادر عن "معهد الاقتصاد والسلام" لا يكتفي بإحصاء الانفجارات، بل يغوص في تفاصيل الأمن المجتمعي، وحدة النزاعات الداخلية، ودرجة "عسكرة" المجتمع. وبقاع القائمة، يبعث العالم برسالة مفادها: العراق لم يعد ساحة معركة مفتوحة، لكنه لم يتحول بعد إلى بيئة مستقرة تمنح مواطنيها الثقة بالمستقبل.

استراتيجية "احتواء الانفجار" لا منعه

وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاستراتيجي جاسم الغرابي، في حديثه لموقع"بغداد اليوم"، أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب بيانات العمليات المسلحة، بل بشعور المواطن بالأمان اليومي بعيداً عن "المفاجآت القاتلة". ويؤكد الغرابي أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة واهتزاز الثقة بالمؤسسات يجعل أي تقدم أمني عرضة للارتداد، مبيناً أن الدولة الحالية تعمل بعقلية "التدخل عند الانفجار" بدلاً من بناء منظومة قادرة على "منع الانفجار" أصلاً.

مثلث التهديد: السلاح، القبيلة، والجريمة

يرصد التقرير ثلاثة ملفات ثقيلة تعيق أي تقدم نحو السلام الحقيقي:

  1. السلاح المنفلت: وجود فصائل مسلحة مرتبطة بأجندات سياسية أو خارجية يجعل قرار الحرب والسلم بعيداً عن أروقة المؤسسة الرسمية، ويحول القانون إلى "وجهة نظر" أمام قوة السلاح.
  2. تغول الأعراف العشائرية: تحول النزاعات القبلية إلى "حروب مصغرة" تستخدم فيها الأسلحة المتوسطة (الدگة العشائرية)، مما خلق ازدواجية في النظام العام: قانون مكتوب في الدستور، ونظام فعلي يفرضه السلاح في الشارع.
  3. الجريمة المنظمة والابتزاز: ظهور وجه جديد للتهديد يتمثل في شبكات تجارة المخدرات والابتزاز الإلكتروني، والتي تجد في الفقر والبطالة بيئة مثالية للتمدد، مستغلة ضعف الرقابة الأمنية.

الاقتصاد.. جبهة "اللاسلام" الخفية

يربط التقرير بين تراجع مؤشرات السلام وبين "التآكل المعيشي" الذي يعاني منه العراقيون. فالسلام ليس غياب المعارك فحسب، بل هو "أفق معيشي مطمئن". ومع ارتفاع الأسعار، وفرض الضرائب والرسوم التي امتصت نحو 20% من القوة الشرائية للرواتب، تحول الضغط الاقتصادي إلى وقود محتمل للاحتجاجات أو الانخراط في مسارات غير قانونية.

ميراث 2003.. رعاية حكومية ونفوذ مستفحل

يشير التحليل إلى مفارقة جوهرية؛ فالميليشيات التي تهدد السلم المجتمعي اليوم هي نتاج المنظومة السياسية التي تشكلت بعد عام 2003 برعاية أمريكية، وهي الآن مستفحلة في مفاصل الدولة وتحظى بنفوذ سياسي ومالي يحميها من الحساب. هذا "التمدد المسلح" داخل مؤسسات الدولة هو ما يجعل العراق في ذيل قوائم السلام العالمية.

خارطة الطريق: من الخطاب إلى الفعل

يخلص التقرير إلى أن تغيير واقع العراق يتطلب خطوات "جراحية" تتجاوز لغة البيانات:

  • حصر السلاح: جرد تفصيلي لمصادر السلاح وتطبيق القانون على الجميع بلا "خصوصيات".
  • إصلاح سياسي وقضائي: فك الارتباط بين القضاء والضغوط الحزبية، وإنهاء نظام المحاصصة الذي يولد الأزمات.
  • شراكة مجتمعية: انتقال المجتمع من دور "المتفرج القلق" إلى دور الشريك الرافض لثقافة العنف والسلاح غير الشرعي.

الخلاصة: إن مؤشر السلام لعام 2025 هو مرآة تعكس واقعاً مريراً؛ فسلام العراق لن يصنعه قرار خارجي أو تقرير دولي، بل هو مجموع قرارات شجاعة تهدف لحصر القوة بيد القانون، وتحويل السياسة من "إدارة أزمات" إلى "إدارة مصالح عامة"، لكي لا يبقى استقرار البلاد رهينة لمزاج الكتل أو قرارات العواصم الإقليمية.

19 أكتوبر، 2020
جريمة العصائب الأخيرة وملامح العودة إلى العنف الطائفي
19 نوفمبر، 2018
الطرق والجسور.. أوصال مقطعة تفاقم معاناة سكان الأنبار
16 أكتوبر، 2016
ميليشيات الحشد الشعبي تحشد فصائلها تحت إمرة سليماني للمشاركة في اقتحام الموصل
17 مايو، 2022
إرتفاع حدة التصعيد بين الميليشيات يثير الشكوك حول مصرع نائب العامري
30 مارس، 2018
مغرّدون يتضامنون مع #مسيرة_العودة_الكبرى
23 مايو، 2018
الأحزاب الفائزة في انتخابات العراق.. صراع السلطة والنفوذ
22 أغسطس، 2019
ذكرى مجزرة مسجد مصعب.. كيف استمرت المؤامرة الطائفية في ديالى؟
25 يناير، 2021
أسلحة إيران المحرمة من محاولة احتلال البصرة إلى قمع تظاهرات بغداد
20 ديسمبر، 2018
قرار متشابك: 30 فصيلًا من الميليشيات يسيطرون على نينوى
13 فبراير، 2024
 على وقع القصف الأخير.. سلطة الميليشيات أكبر من سلطة الدولة العراقية
22 نوفمبر، 2022
الحشد الشعبي والعمال الكردستاني .. تقاسم الادوار لزعزعة الأمن في المنطقة
16 ديسمبر، 2018
عراقيون غاضبون: "مسجدي" يهين شهداء العراق
menu-circlecross-circle