قال مصدر طبي أن نائب زعيم ميليشيا بدر "عبد الكريم يونس عيلان"، قد لقي مصرعه في حادث سير في محافظة ميسان يوم 6 أيار/مايو الجاري. وأضاف المصدر الطبي أن عيلان المعروف بـ"أبو مريم الأنصاري"، توفي مع اثنين من مرافقيه نتيجة انقلاب السيارة التي كانوا يستقلونها في ناحية علي الشرقي قرب مدينة العمارة. وتناقلت وكالات الأنباء صور حطام السيارة التي أقلته، مشككة بالرواية الرسمية عن الحادث، ورجحت أن يكون مدبراً، نظراً لتزامنه مع الصراعات الدائرة بين الميليشيات على المغانم، المرافقة لمحاولات تشكيل الحكومة.
وفتح مصرع عيلان باب التساؤلات حول الحوادث الغامضة التي تكررت خلال السنوات الأخيرة، وأودت بحياة العديد من قادة وعناصر الميليشيات في العراق.
وولد عبد الكريم عيلان في البصرة سنة 1959، وانتمى لمنظمة بدر منذ تأسيسها عام 1982 بأوامر من الخميني، وأصبحت الجناح العسكري "للمجلس الأعلى" بزعامة محمد باقر الحكيم. وعيلان ضابط سابق، قاتل جيش بلاده إلى جانب القوات الإيرانية، وبقي في إيران حتى الإحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، ليعود ويشغل عدة مناصب، بينها وزير البلديات والأشغال في حكومة حيدر العبادي، حتى إلغاء الوزارة في آب/أغسطس 2015، وأصبح عضواً بمجلس النواب لأكثر من دورة، ونائباً لزعيم ميليشيا بدر "هادي العامري" منذ عام 2007 حتى مصرعه.
ووثقت العديد من مراكز البحث قيام هذه المليشيا بحملات تصفية واسعة ضد المئات من الكوادر العراقية من مختلف الإختصاصات في أحداث عام 1991، وكذلك عند دخولها البلاد مع القوات الأمريكية عام 2003، إضافة لشهادات أسرى عراقيين تعرضوا للتعذيب في أقفاص الأسر الإيرانية على أيدي عناصرها، قبل أن يتحول الصراع إلى تصفية حسابات داخلية.
قاموا بعمليات انتقامية ضد منافسيهم، وغالباً ما تكون التصفيات من أجل السيطرة وفرض النفوذ
شاهدٌ من أهلها
ومما عزز فكرة التصفيات بين الميليشيات، بل وبين أعضاء الميليشيا الواحدة، ما يصرح به أعضاء سابقون، أو منشقون أو متضررون خرجوا من صفقات الفساد صفر اليدين، فبدأوا بفضح بعضهم البعض. ففي مقطع منشور على اليوتيوب يعود لعام 2021، قال القيادي السابق في "بدر" عبد الرزاق الحيالي، إن عيلان سبق له أن ترك العمل في بدر، وذهب للإقامة في طهران، ثم عاد بأوامر من الحرس الثوري إلى المليشيا. وأضاف الحيالي أن الإستخبارات الإيرانية كلفته بتقديم تقارير عن بدر وفق سياستها بالتجسس على عملائها، ليبقى زمام السيطرة على الميليشيا بيديها. وعندما أصبح عيلان نائباً لهادي العامري، أسس خطاً مستقلاً عنه داخل الميليشيا، حيث أصبح لكل منهما أنصار وتابعون، وبما أن الطرفين مدعومان من إيران، لم يستطع أحدهما أن يزيح الآخر.
واستعرض القيادي السابق في الميليشيا جوانب من فساد عيلان، حيث قال إن "لديه بكل فرع من فروع المنظمة بالمحافظات العراقية لجنة اقتصادية، مهمتها متابعة فرص الإستثمار والمناقصات والمشاريع المطروحة للإستيلاء عليها، سواء محطات وقود أو قطع أراض مميزة".
أما النائب السابق "فائق الشيخ علي"، فقد "نعى" عيلان بتغريدة على تويتر جاء فيها، إن "هناك فرقاً كبيراً بين أن يخلدك التاريخ كإنسان خدمت شعبك وبلدك ولم تقتل ولم تسرق، وبين أن يذكرك كقاتل محترف ولص زنيم وعميل وخائن تشتغل لمصلحة إيران وتأتمر بأوامرها"، حسب تعبيره.
صراع على النفوذ
وغالباً ما تشتد التصفيات بين الميليشيات وبعضها، أو بين عناصر الميليشيا الواحدة على المغانم والنفوذ، أو الإنشقاقات والإنتقال من ميليشيا إلى اخرى، رغم أنهم جميعاً يتبعون لإيران. وشهدت السنوات الماضية العديد من هذه الحوادث، منها مصرع قياديين أحدهما من عصائب "قيس الخزعلي"، والآخر من حزب الله في نفس الإسبوع من شهر شباط/فبراير العام الماضي. وكان "مجهولون" قد اغتالوا بأسلحة مزودة بكواتم للصوت في حي الشعلة ببغداد، القيادي في العصائب "محمد رحيم الشمري"، كما قتل أحد العناصر التابعين لحزب الله بتفجير عبوة لاصقة في جرف الصخر.
وأثارت الإتهامات الصريحة التي وجهتها العصائب إلى ميليشيات منافسة، تكهنات بأنهم ربما قاموا بعمليات انتقامية ضد منافسيهم. وغالباً ما تكون التصفيات من أجل السيطرة وفرض النفوذ، خاصة في التوقيتات التي تسبق تشكيل الحكومة عقب الإنتخابات.
وفي حديث صحفي قال أستاذ القانون والباحث في شؤون الجماعات المسلحة "مهند الجنابي"، إنها "ليست المرة الأولى التي تحصل فيها تصفيات لقياديين في المليشيات، إذ شهدت الأعوام الماضية حوادث مشابهة، لكن ما يعطي الحوادث الأخيرة خصوصية هو ارتفاع خطاب التصعيد بين تلك الفصائل وبعض القوى السياسية، فمن له جناح سياسي ينافس غيره، ويعتقد أن أي مكسب للآخر سيكون على حساب جمهوره ونفوذه."
إحتمالات التصعيد
ويرى الجنابي أن من بين أسباب التصعيد أن "بعض الميليشيات وأجنحتها السياسية تسعى لضمان مكاسبها عبر عقود حكومية وصفقات فساد واستيلاء على أملاك"، مضيفاً أنه "مع تصاعد سطوة المليشيات في الفترة الأخيرة وسيطرتها على أملاك الدولة، بدأت تتسابق فيما بينها للحصول على المنافع، وهو ما يرجّح أن يكون سبباً في تصفية الحسابات بينها"، معبراً عن قناعته بأن الأيام المقبلة مرشحة لبروز تصفيات جديدة، حيث أن فرق الإغتيالات بدأت تنشط بحسب ما أكدت مصادر مقربة من تلك الفصائل.
من جهته أكد الباحث "رعد هاشم"، إن مثل هذه الحوادث "تندرج فعلاً ضمن التصفيات داخل تلك الميليشيات". ولم يستبعد الباحث تصاعد موجة الإغتيالات في الأيام القادمة بين الكتل المتنافسة على المغانم، معتبراً أن الخلاف المعلن بين "نوري المالكي" و"مقتدى الصدر" وبقية الأطراف، سيلقي بظلاله أيضاً على هذا المشهد.