بغداد – يقين
لم يعد الحصول على كوب ماء نظيف من "الحنفية" حقاً بديهياً في العراق، بل استحال حلماً بعيد المنال وهما مؤرقاً لملايين العائلات. ففي بلد تنهك بناه التحتية الفساد وسوء الإدارة، باتت مياه الإسالة الحكومية عبارة عن "خليط كيميائي" من الملوثات والسموم، وسط فشل حكومي ذريع في توفير أبسط مقومات الحياة للمواطن، مما يعكس استهتاراً رسمياً بالصحة العامة والكرامة الإنسانية.
أرقام صادمة تعري "العجز الحكومي"
تكشف تقارير دولية، وعلى رأسها منظمة "يونيسف"، عن واقع مأساوي؛ إذ إن 3 من كل 5 أطفال في العراق يفتقرون للوصول إلى مياه شرب "مُدارة بأمان". وبينما تعترف البيانات بأن 39% فقط من العراقيين تصلهم مياه يمكن وصفها بالآمنة، تترك الحكومة النسبة الأكبر من الشعب رهينة لشبكات متهالكة تختلط فيها مياه الشرب بمياه الصرف الصحي (المجاري)، في ظل غياب أي استثمار حقيقي لتحديث هذه المنظومات المنهارة.
تحذيرات من "تسمم مزمن" في بغداد والمحافظات
وفي العاصمة بغداد، أطلق الخبير البيئي عادل المختار (في تصريح لوكالة بغداد اليوم) صرخة تحذير من تدهور غير مسبوق في نوعية المياه الواصلة للمنازل، مؤكداً تسجيل روائح كريهة وتغير في الطعم يعود لنمو بكتيري وتلوث عضوي داخل الشبكات القديمة. هذا المشهد لا يقتصر على بغداد؛ ففي الجنوب تحولت الأنهار إلى مكبات للنفايات الطبية والمخلفات النفطية والمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق، ما يهدد السكان بتسمم مزمن يصيب الكلى والجهاز العصبي.
البصرة.. نموذج الفشل الصارخ
تعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان فاجعة البصرة عام 2018، حين نُقل أكثر من 118 ألف مواطن إلى المستشفيات بسبب تلوث المياه. ورغم مرور سنوات على تلك الكارثة، لم تتخذ الحكومات إجراءات رادعة لمنع تكرارها، بل استمرت في سياسة "الترقيع" وترك المواطن يواجه مصيره أمام بكتيريا الكوليرا والسموم الكيميائية.
خصخصة قسرية وتواطؤ بنيوي
ويرى مراقبون أن ترك منظومة المياه الحكومية تنهار بهذا الشكل يثير تساؤلات حول وجود "تواطؤ" لخدمة اقتصاد الماء الموازي (معامل المياه الأهلية والمياه المعبأة). فالمواطن الذي يدفع ضرائب للدولة، يجد نفسه مجبراً على شراء الماء من القطاع الخاص لحماية عائلته، مما يحوّل "الحق في الماء" من خدمة عامة إلى سلعة باهظة الثمن، وهو ما يُعد فشلاً سياسياً وأخلاقياً تتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية بالكامل.
الخلاصة: الموت يتدفق من الأنابيب
إن استمرار تدفق المياه الملوثة إلى منازل العراقيين ليس مجرد خلل فني، بل هو نتيجة مباشرة للفساد المستشري والغطاء السياسي الذي يحمي المقصرين. وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: متى تتحمل الحكومة مسؤوليتها في تأمين مياه صالحة للبشر بدلاً من تركهم يواجهون الموت في كل قطرة يشربونها؟