رواتب العراقيين في مهب الريح: أزمة سيولة مفتعلة أم نتيجة لتبديد المال العام؟

وكالة يقين
29 كانون الثاني، 2026

يقين – بغداد

في وقت يغرق فيه الشارع العراقي بموجة من القلق والاستياء، تتكشف ملامح أزمة سيولة خانقة تضرب مفاصل الدولة، لتعيد إلى الواجهة ملفات الفساد المستشري وتبديد الثروات التي تذهب ضحية الصراعات السياسية وعمليات تهريب العملة الممنهجة. وبينما ينتظر الملايين خلف طوابير المصارف، تبرز تساؤلات حارقة: أين تذهب مليارات النفط؟ ولماذا يعجز بلد "الاحتياطيات الهائلة" عن تأمين رواتب موظفيه في موعدها؟

شلل سياسي و"فيتو" يعمق الجراح

يُرجع مراقبون الأزمة الحالية إلى حالة "الموت السريري" التي تعاني منها السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، حذر المحلل الاقتصادي نبيل المرسومي من أن العراق بات رهينة لغياب حكومة كاملة الصلاحيات، مشيراً إلى أن الانسداد السياسي الراهن -المدفوع بضغوط دولية و"فيتو" أمريكي على بعض الوجوه السياسية مثل نوري المالكي- قد ألقى بظلاله القاتمة على موازنة 2026.

هذا العجز السياسي ليس مجرد أرقام، بل هو غطاء قانوني مفقود يمنع الرقابة الحقيقية ويفتح الباب أمام استمرار نزيف الأموال عبر منافذ غير رسمية، في ظل بقاء أسعار النفط رهينة للتوترات الجيوسياسية التي قد تتبدد في أي لحظة، لتترك الاقتصاد العراقي مكشوفاً بلا "مصدات مالية".

الاقتراض.. مسكنات لأزمة بنيوية

في المقابل، يحاول الجانب الرسمي تسويق حلول "ترقيعية" لمواجهة شبح الإفلاس المؤقت. إذ يرى مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء المنتهية ولايته، أن الحل يكمن في "الاقتراض الداخلي المحدود" استناداً لقانون الإدارة المالية.

ورغم محاولات صالح طمأنة الجمهور بأن هذا الاقتراض هو "أداة لإدارة السيولة" وليس عجزاً هيكلياً، إلا أن خبراء يقرؤون في هذا التوجه اعترافاً ضمنياً بفشل المنظومة المالية في الحفاظ على الاحتياطي النقدي، وتغطيةً على الثقوب التي يتسرب منها المال العام عبر مزادات العملة والتعاقدات المشبوهة التي أهدرت ترليونات الدنانير.

واقع مرير: مصارف خاوية ورواتب "بالقطارة"

ميدانياً، تجاوز الوقت سقف الوعود الحكومية؛ فبالرغم من حلول نهاية الشهر، لا تزال أغلب الوزارات عاجزة عن صرف مستحقات موظفيها. وتؤكد مصادر مطلعة أن "شح النقد" في المصارف الحكومية وصل لمستويات خطيرة، مما أجبر وزارة المالية على توجيه موظفي المصارف بالدوام الإضافي لمحاولة احتواء الغضب الشعبي وتوزيع الرواتب على شكل "وجبات" متقطعة.

الفساد المستتر وتهريب العملة

يربط مراقبون بين تأخر الرواتب وبين استمرار عمليات تهريب العملة التي تستنزف الدولار من الأسواق المحلية، مما يضعف القوة الشرائية للدينار ويخلق فجوة في السيولة النقدية (الكاش) المتاحة لدى البنك المركزي. إن تحويل الاقتصاد العراقي إلى "ريعي صرف" مع غياب الرقابة على حركة الأموال الخارجة، جعل من راتب الموظف البسيط الحلقة الأضعف في صراع الحيتان والكتل السياسية.

يبقى السؤال قائماً: هل ستنجح سياسة "الاقتراض من الجيوب الداخلية" في ستر عورة الفساد المالي، أم أن الانفجار الشعبي سيكون هو الرد الوحيد على تبديد ثروات البلاد؟

menu-circlecross-circle