بغداد – تقرير خاص
بينما كانت ميزانيات الدولة العراقية تُستنزف على مدار السنوات الماضية في بنود استهلاكية ومصاريف تشغيلية "لا طائل منها"، وجدت الحكومة نفسها اليوم أمام مأزق مالي لم تجد للخروج منه سوى باب واحد: "جيوب التجار والمواطنين". ففي خطوة تعكس تخبطاً في الإدارة الاقتصادية، تسببت القرارات الأخيرة برفع التعرفة الجمركية بزلزال في الأسواق المحلية، أدى إلى تكدس آلاف الحاويات ودفع الحركة التجارية نحو "شلل تام".
هروب إلى الأمام.. ضرائب لا ترحم
بدلاً من معالجة الهدر المالي وتحسين الأوعية الاستثمارية، اختارت السلطة التنفيذية المسار الأسهل والأنكأ؛ فرض ضرائب "فلكية" وُصفت بالفاحشة. حيث قفزت رسوم الحاوية الواحدة من 3 ملايين دينار إلى 25 مليون دينار، بزيادة تفوق الـ 700%، وهو ما اعتبره مراقبون "عقاباً جماعياً" لا يتناسب إطلاقاً مع مستويات دخل المواطن العراقي الذي سيكون المتضرر النهائي من هذا الارتفاع.
تخبط إداري واحتجاجات واسعة
هذا الفشل في التخطيط ولّد ردة فعل عنيفة في الشارع التجاري؛ حيث أعلن "تجمع تجار العراق" عن إغلاق عام وشامل للمحال والأسواق في عموم المحافظات ابتداءً من يوم الأحد، احتجاجاً على سياسة الحكومة التي تسببت بتكدس البضائع في المنافذ وتعطيل سلاسل التوريد. وبينما تحاول الهيئة العامة للجمارك التنصل من المسؤولية عبر توصيف نفسها كـ "جهة تنفيذية"، تشير الأرقام إلى أن هذا التصلب الحكومي أدى بالفعل إلى انخفاض الإيرادات الجمركية بنسبة 52% مقارنة بالمتوسط الشهري للعام الماضي، مما ساهم في تأخير صرف رواتب الموظفين لشهر كانون الثاني/يناير.
أرقام صادمة وتبريرات واهية
تحت لافتة "حماية المنتج الوطني"، فرضت الحكومة رسوماً إضافية لعام 2026 طالت حتى الاحتياجات اليومية؛ حيث وصلت رسوم مواد التنظيف إلى 65%، والمنتجات البلاستيكية إلى 60%، فضلاً عن إعادة ضرائب الاتصالات بنسبة 20%. ويرى الخبير الاقتصادي علي دعدوش في تصريح تابعته "يقين" أن هذه الأرقام لا تعكس إصلاحاً حقيقياً، مبيناً أن الإيرادات الجمركية للشهر الماضي انخفضت بنحو 71 مليار دينار عن المتوسط المعتاد، ما يفند ادعاءات الحكومة بتحقيق طفرات مالية من وراء هذه الزيادات.
المستهلك.. الضحية الدائمة
وفي ظل هذا المشهد الكارثي، يؤكد تجار وسائقو شاحنات أن الشركات الاستثمارية هي المستفيد الوحيد عبر فرض غرامات تأخيرية، بينما يتحمل التاجر خسائر المليارات التي ستتحول لاحقاً إلى "زيادة سعرية" يدفع ثمنها المستهلك البسيط.
من جانبهم، انتقد برلمانيون هذا التوجه، واصفين إياه بـ "وهم الإصلاح". وأكد النائب محمد الخفاجي أن العراق يتكبد خسائر فادحة بسبب سياسة "العناد الحكومي" وعدم التراجع عن القرارات الخاطئة التي تعالج العجز المالي المؤقت على حساب استقرار حياة المواطنين وقدرتهم الشرائية.