تتصاعد حدة الجدل السياسي والإعلامي في العراق حول ملف تعيين السفراء، وسط اعتراضات واسعة على الآليات المتبعة في الاختيار وتراجع مؤهلات المرشحين للمناصب السيادية. ولم تعد الأزمة محصورة في أروقة السياسة، بل تحولت إلى مادة دسمة للاستياء الشعبي بعد سلسلة من "السقطات البروتوكولية" التي وُصفت بأنها إحراج لصورة العراق الخارجية.
كانت آخر فصول هذا الجدل ما تداوله ناشطون لمقطع فيديو يظهر سفيرة العراق لدى السعودية، صفية السهيل، خلال استقبال وفد رسمي، حيث أثار مشهد وقوف أعضاء الوفد العراقي مقابل جلوس مسؤول سعودي لغطاً واسعاً، انتهى بطلب نيابي لاستدعائها للتحقيق.
ولا تقف الأزمات عند هذا الحد، بل تعيد للأذهان وقائع سابقة؛ منها قضية اتهام مستشارة في سفارة العراق بالأردن بافتعال فوضى في أحد الفنادق، وقبلها أزمة الصور التي تسببت باستدعاء السفير العراقي السابق في عمان عام 2022.
يرى نواب ومراقبون أن المشكلة ليست "هفوات فردية"، بل هي نتاج طبيعي لنظام المحاصصة السياسية. وفي هذا الصدد، يؤكد النائب مختار الموسوي أن:
"تعيين السفراء مبني على الولاء لا الدبلوماسية؛ فهم في الغالب أقرباء لمسؤولين نافذين، ويفتقرون لأبسط الخبرات في السلك الدبلوماسي".
وبحسب قوائم السفراء التي صوّت عليها البرلمان مؤخراً، يتبين أن عدداً كبيراً من الأسماء هم أبناء أو أقارب لشخصيات سياسية، وبعضهم في مقتبل العمر دون أي سجل مهني يؤهلهم لتمثيل الدولة في الخارج.
يشخص الباحث السياسي مجاشع التميمي الأزمة باعتبارها "خللاً هيكلياً"، حيث تُدار السفارات بعقلية "التمثيل الحزبي" بدلاً من "تمثيل الدولة". ويشير التميمي إلى أن غياب معايير الاختيار الشفافة وضعف المساءلة يجعل من أي خطأ شخصي أزمة سمعة وطنية يصعب احتواؤها.
من جانبه، يصف الخبير القانوني محمد جمعة منصب السفير بأنه بات "مكافأة نهاية خدمة" للسياسيين أو هدايا تُمنح لذويهم، مؤكداً أن جميع الكتل السياسية تتحمل مسؤولية هذا التراجع، كونها تصر على إبقاء البعثات الدبلوماسية ضمن حصص "تقاسم الغنائم".
تشير المعطيات إلى تضخم كبير في عدد السفراء العراقيين، حيث قفز العدد من 26 سفيراً إلى أكثر من 100 سفير حالياً، يتمتعون بامتيازات مالية ضخمة تشمل:
يبقى إصلاح السلك الدبلوماسي العراقي رهناً بتحصين وزارة الخارجية مهنياً، وفصل المناصب السيادية عن التوازنات الحزبية. وبدون اعتماد معايير الكفاءة والخبرة الدولية، سيظل العراق عرضة لمزيد من الأزمات التي تضعف مكانته في المحافل الدولية.