الفلوجة | في حلقة جديدة من مسلسل الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية العراقية بعيداً عن رقابة القضاء، فُجعت مدينة الفلوجة بمقتل الشاب "ياسر كمال ساهي" داخل أروقة "شعبة إجرام الفلوجة"، إثر تعرضه لتعذيب وحشي أدى إلى تدهور حالته الصحية وفقدانه للحياة، في قضية تعيد تسليط الضوء على تحول مراكز الاحتجاز إلى "ثقوب سوداء" لكرامة الإنسان.
بدأت مأساة "ياسر" قبل نحو شهر، حين اعتُقل على خلفية نزاع مالي مع شخص آخر. وبدلاً من أن تأخذ العدالة مجراها الطبيعي عبر القضاء، تحولت شعبة الإجرام إلى خصم وحكم. وبحسب شهادات عائلته، فقد احتُجز الشاب لمدة 30 يوماً دون عرض قانوني واضح، تعرض خلالها لشتى أنواع التنكيل الجسدي والنفسي.
يقول ذوو الضحية: "رأيناه قبل نقله إلى المستشفى بيومين؛ كان جسده يحمل آثار ضرب مبرح وإهانات لا يقبلها ضمير. أكد لنا صراحةً أنه يتعرض للتعذيب الممنهج، لكن صوته لم يصل إلى المسؤولين خلف الجدران الصماء."
لم تكتفِ الأجهزة الأمنية بجريمة التعذيب، بل مارست سياسة "التسويف" المعتادة؛ حيث نُقل الضحية إلى المستشفى وهو في حالة غيبوبة تامة، ليبقى أياماً بين الحياة والموت قبل أن يُسلم جثماناً هامداً لعائلته.
وحتى هذه اللحظة، ترفض السلطات الحكومية والأمنية في الأنبار تقديم أي توضيح رسمي حول ملابسات الوفاة أو فتح تحقيق شفاف يحاسب المتورطين، مما يرسخ القناعة الشعبية بأن هذه المؤسسات باتت "فوق القانون".
تأتي وفاة "ياسر ساهي" لتؤكد التقارير الحقوقية التي تشير إلى تفشي ظاهرة انتزاع الاعترافات بالقوة والضرب المبرح داخل مراكز التوقيف العراقية. ويرى مراقبون أن تكرار هذه الحوادث في مدينة الفلوجة وغيرها من المدن، دون محاسبة الضباط أو العناصر المسؤولين، يمثل ضوءاً أخضر للاستمرار في نهج "الإجرام الحكومي" ضد المواطنين.
يبقى التساؤل القائم أمام الرأي العام ووزارة الداخلية: إلى متى تظل مراكز الاحتجاز مرافقاً لتصفية المواطنين بدلاً من حمايتهم؟ وهل سيغلق ملف "ياسر" كغيره من الضحايا بـ "قيد مجهول"؟